:: منتديات من المحيط إلى الخليج :: البحث التسجيل التعليمـــات التقويم
 

العودة   :: منتديات من المحيط إلى الخليج :: > المنتديات الثقافية والسياسية > ركن "المكتبة" > منتدى الكتب الفلسفية والعلمية
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

تعاميم إدارية

آخر 10 مشاركات عديقي اليهودي ! " رواية فكرية سياسية " (الكاتـب : محمود شاهين - )           »          صور مشبات مشبات رخام ديكورات مشبات فخمه وباسعار من (الكاتـب : تسوق مشب - )           »          اوسلو الاولى في تاريخ الصراع الفلسطيني – الإسرائيل (الكاتـب : محمود شاهين - )           »          فوضى خلاقة... (الكاتـب : زياد هواش - )           »          الإنتقال السياسي في سوريا… (الكاتـب : زياد هواش - )           »          قهوة الصباح... (الكاتـب : زياد هواش - )           »          ثقافات البشرية في حاجة إلى إعادة نظر! (الكاتـب : محمود شاهين - )           »          ثقافة سوقمقهية ! (الكاتـب : محمود شاهين - )           »          دورة الأساليب الحديثة في إدارة النقدية والتحليل ال (الكاتـب : نيرمين جلف - )           »          الاشتباك الإقليمي الأول في سوريا... (الكاتـب : زياد هواش - )

رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 18-11-2011, 08:40 PM رقم المشاركة : 1
سميرة بورزيق
أنا

الصورة الرمزية سميرة بورزيق
 





***

اخر مواضيعي
 

***
سميرة بورزيق غير متواجد حالياً

افتراضي فلاسفة/حوارات/ اقوال/ محاضرات...

الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون في حوار قديم ومجهول: لا أهمية للكلمة إلاّ بمقدار أهمية أسلوب الحياة الذي نعيش



التقديم والترجمة:
يقظان التقي

لماذا برغسون اليوم لأنه صاحب مذهب مثالي وهو فيلسوف وممثل الحدسية ربطاً وامتداداً “بفكرة المكان عند أرسطو”، و”المعطيات المباشرة للشعور” و”المادة والذاكرة” و”الديمومة والمعية” و”الفكر والمتحرك”.
ولعل المفهوم الأساسي عند برغسون هو “الديمومة الخالصة” أي اللامادية وهي أصل وأساس جميع الأشياء ومن المادة والزمان والمكان ومن العناصر الأربعة من تراب وماء وهواء ونار إلا عناصر في جوهر المعرفة والحدس معاً في إدراك الصوفي المعولم اليوم.
والحدس كما يعرفه برغسون هو المدخل الى الميتافيزيقية والنفاذ الى باطن الأشياء وذلك التعاطف العقلي الذي يمتزج فيه العقل بالغريزة.
أليست هي مادة لدراسة الوجود الإنساني ومقدمات موجودة مطلقاً. ثم الوجود عند برغسون يقوم على الجمع بين حقيقة الذات وحقيقة الموضوع أي الجمع في المدخلات والمخرجات بتأثيرات تحتمل الظواهر المادية وتأثيراتها على الأنا. والأهم عند برغسون هو مفهوم الحرية التي لا تعرف انفصاماً بين الحياة النفسية ولا تؤلف وحدة مجزأة وهي صيرورة وفعل حر للإنسان وفي أعلى صورها كتلقائية روحية خالصة ولهذا المعنى الحرية هي التعبير عن “الشخص” في المجتمع الكوسمبوليتي الجديد أو المواطنية العالمية.
أما الذاكرة فليست ظاهرة فيزيولوجية بل ظاهرة نفسية تعبر عن صميم الحياة الشعورية مميزاً بين الذاكرة التي تقيم من الجسد وتستعيد الماضي والذاكرة المحضة والمستمرة في الأنا العميق. أما الدين فيفرق برغسون بين نوعين من الدين: دين ساكن مغلق وآخر متحرك مفتوح، أي الدين الاستاتيكي (السكوني) والدين الدينامي (الحركي).
أمور يعاد مناقشتها في الفلسفة والفكر والأدب مع أسلوب برغسون البليغ في التعبير وفي روح كتبه ونظرياته وإن كان كثيراً منها يكتنفه الغموض والتأويل بصيرورات مستمرة ومقتبسة من هيقل وهراقليطس وتشلنغ ورامنيسون وأفلاطون وأصول سابقة كثيرة.
19 آب 2011 لحظة مرور مئة سنة على استقبال هنري برغسون في منزله ناقدا فرنسيا في لقاء استثنائي بالنسبة لمفكر يهرب من الصحافة وكل النقاش الذي يدور حول اسمه وشهرته وإبداعه.
برغسون الذي قسم الوقت الى نوعين: الوقت العملي الذي يقسم الساعة الى ستين دقيقة وهو وقت ثابت لا يتغير والوقت النفسي وهو الوقت الذي يعيشه الإنسان ويستمتع به وهو بالنسبة لبرغسون الوقت الحقيقي.
أعمال الفيلسوف المرتكزة أساساً على نقطة جوهرية ألا وهو الفكر والمتحرك والذي اعتبرت نوعاً من انقلاب أو ثورة فلسفية. هذا الفيلسوف الذي حظي إبان حياته بشهرة لم تتوافر لكثير ممن عاصره حتى صارت فلسفته واسعة الانتشار في فرنسا وفي دوائر مختلفة.
فلسفة احتجبت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم وقد اكتسحتها الوجودية ويعاد اليوم تسليط الضوء عليها وإلى مؤلفات برغسون وأسلوبه الرائع في الفرنسية مما جعله من كتّاب هذه اللغة مع الدقة في التعبير الفلسفي، خصوصاً الفلسفة في تحليلاتها وتركيباتها والملزمة بالتكلم باللغة التي يتكلم بها الناس. هذا الى جانب كونه كان محاضراً من الطراز الرفيع في “الكوليج دو فرانس”.
العودة الى برغسون تمثل اليوم العودة الى فلسفة الحياة الأكثر منطقية وإلى الوجود الواعي والمنضج والذي يخلق نفسه باستمرار وبالتطور الدائم. ويفسر برغسون النمو والتطور بالقول: “إن كل نوع من الأنواع الحية قد صدر دفعة واحدة من نزوة حية وأعلى منه وفي تجديد وخلق وتقدم متصل”.
ويتناول برغسون موضوع الديموقراطية والحرية فيشيد بهما بين كل النظم السياسية هي التي تعلو مقاصدهما على الأقل، على ظروف المجتمع المغلق. هذا ويعتبر برغسون من أكبر الفلاسفة في العصر الحديث وقد يكون أكبر فيلسوف في النصف الأول من القرن الماضي. كان تأثيره واسعاً وعميقاً وقد حاول أن يعيد القيم التي أطاحها المذهب المادي وتنبعث إيماناً وجودياً الى ثقافة الحرية والفكر المتحرر.
كان اللقاء معه في صالون منزله أشبه بلقاء الأسطورة المفكر الأكثر شهرة بعد كانط وشهرته الواسعة في الكوليج دو فرانس تجاوز الأطلنطيك وتحديداً باعتبار كتاباته تمثل التطور الخلاّق وروح الحرية في مجمل النتاج الفكري في مرحلة الخمسينات سابقاً دريدا وفوكو كنجم فلسفة الحركة وديمومة الفكر.
وكان لهذا الفكر امتدادٌ شمل الحياة الفكرية الفلسفية عند نظريات كثيرين كنظريات ريبوت (Ribot) البسيكولوجية ونظريات توين (Touine) الفكرية والأدبية والنزعة العلمية ما بعد لدى (Renon) كما عند فوكو ودريدا وبعض المفكرين المتأثرين بفلسفة كانط.
سجادة في مكتبه في فيلا “Montmorency” قصر كارلا بروني اليوم حيث جرى اللقاء مع جاك مورلان.
ساعة مع هنري برغسون (1859 1941) الذي حصل على جائزة نوبل للآداب العام 1927 وصاحب مقولة: “الحرية واقعة شعورية وليست مشكلة تحل”. اليهودي الفرنسي الفيلسوف المثالي وممثل الحدسية. نزحت أسرته من إنكلترا الى فرنسا تخرج من مدرسة المعلمين العليا في باريس 1881، عمل أستاذاً ثانوياً وأستاذاً للفلسفة في الكوليج دي فرانس.
وانتخب عضواً بالأكاديمية الفرنسية سنة 1914. والثوري في عصره قبل الجميع. لأول مرة في تاريخ الميتافيزيقيا الغربية مفكر يحول سكون الأشياء وجمودها ومن الكائنات وجوداً. فالحركة والوقت هي الكائن نفسه، وذلك في وجه الحراك السياسي المتقطع الذي أثير حول شخصيته واسمه لا سيما أن أفكاره أتت في عصر سارتر والحتميات الوجودية. وعلى هذا كانت نقطة البدء في فلسفته عند مشكلة الوجود والديمومة في معطيات الشعور وهي معطيات “مباشرة” بمعنى أن الحدس يدركها إدراكاً حسياً. فبرغسون لا يعرض للوجود على أنه تصور، وإنما بصفته وجوداً حياً.
وإذا كان للشباب اليوم مزاج مفتوح على الفلسفة المباشرة والفلسفة المادية فالفضل فيه يعود لبرغسون وإلى دروس المعلم في الأكاديمية الفرنسية التي أحدثت حالة فكرية الى أسلوبه الجديد الذي سمح بوصول أفكاره الى شرائح وأصحاب اهتمامات وانتماءات مختلفة. ناحية أخرى تؤشر الى نجاح برغسون هي تعمقه وتصوراته اللغوية التعددية وفي كل لغات العالم.
حدث اللقاء وبرغسون في الخمسين، عمر شاب وحيوي. صاحب جبهة عريضة وقوية. وبعيون شبه عيون العصافير الليلية المشرقطة والحشرية تحت حاجبين وظلال رموش متحركة سريعاً. رجل ذكي محافظ جداً في حركاته يعيش حياة داخلية مغامرة.
تأثير السيد برغسون كان كبيراً جداً وفي كل الاتجاهات في عصر المغامرة الفلسفية من تأثيرات القديس أغسطينوس قبله وكذلك رأي ديكارت وكذلك فعل وليام جيمس والفلاسفة المسلمون أمثال المعتزلة والعديد من الفلاسفة والمفكرين الكاثوليك وجورج سوريل والمغامرة الفلسفية الكبيرة للفيلسوف الألماني هيغل والمتصوفون الفرس والفكر الماركسي والإجماعي مع كارل ماركس وباكونين وآخرين.

التقديم والترجمة:
يقظان التقي

[ جاك مورلاني: ماذا عن شعورك إزاء التأثيرات المتناقضة التي أحدثها كتابك، وهل أنت تأسف لكل تلك الضجة المثارة حول أفكارك؟
برغسون: الفلسفة هي شيء صامت، يجب عدم مزجها مع الكل مثلما نفعل مع الاشياء العادية. لهذا تراني ألجأ إلى التشكيل اللغوي بعض الشيء لجهة ما أقوله. فالبحث الفلسفي الذي أجريه الحمل عليه من طبيعة مختلفة، وهذا لا يفاجئني لجهة الاهمية المعطاة له. فقط باعدت بين مجموعة من الافكار وفصلت ما بينها. ليس هذا لأني أملك مهنة قائمة ومنجزة وباستحقاق كبير. حاولت أن أطور ذائقة الملاحظة الداخلية ولكن ليس عندي الجهاز او النظام الكلي الذي يشرح حتميات الامور. (يستند الى طاولة محمّلة بالكتب) يؤكد برغسون مرة ثانية ليس عندي الجهاز أو النظام. ليس عندي نسق عام انتقل فيه من المدخلات الى المخرجات او الاستنتاجات او النتائج التي تمكنني من الاجابة عن اي سؤال او اي موضوع. قد تطلب مني الاجابة عن أسئلة مختلفة وغالباً انا لا أفكر بها (..) درست ثلاث أو أربع قضايا اشكالية. استغرق الامر عشر سنوات لانجز كتاباً، ومن اول كتاب لم أتمكن من عرض افكار اضطررت الى عرضها في كتابي الثاني وهذا لزم مني التواصل العنيف، أقوى من الرغبة حتى على انجاز الكتاب أو ما يشبه امر محل الفعل.
وبالتأكيد نتائج الفعل في الاصدار الثاني شكل تراكمات على الأفكار التي جاءت في الاصدار الاول. في اللحظة (…) اللحظة الحالية لست بحالة تمكنني من أخذ اعمال اخرى تعالج مسائل اخرى ونتائج اخرى.
زمن العواطف
ان وقت التأمل الهادئ لا يشبه وقتاً لعجلة الانفعال وزمن الساعات لا يقاس به زمن عواطفنا المتفجرة الا بحكم العادة والحركية الآلية المصطنعة لا تشبه حركة افكارنا واحساسنا الذي نحياه ونكاد نلمسه في داخل وعينا الداخلي. حول موضوع “النقابية” مثل الاسئلة الاخرى من هذا النوع ليس لدي سوى الفكرة التي قرأها جورج سوريل وهي فترة ملاحظة من الجميع وهي فترة مذهب يقوم على ان يسمح لنقابات العمال بالقيام بدور فعال في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، البعض اعتقد اني أتقاسم هذه الفكرة مع النقابات نفسها وهذا أمر خطأ.
[ ألا يقلق هنري برغسون اليوم ازاء ملاحظاته التي صارت افكاراً عالمية، ألا يدعو الأمر للتعبير عنها بقوة الشعور لا سيما ازاء هذا البحث الدائري المعمق والمهم؟
ـ لكن اذكرك بأن نهضة الفلسفة والميتافيزقية رأيناها منذ مئات آلاف السنين واعتبرها البعض تمثل خطراً على العلم. إذا يجب ألا تقرأ كتبي كي لا يكون لديك ردة فعل سلبية ضد العلوم. انا أرى العكس تماماً يجب الشغل للفلسفة. لقد جرى الكلام عن شروط البحث العلمي في القرن الماضي واميل فوكو قال انه عصر اوغست كومت الذي دخل في حلقة المشاهير الكلاسيكيين في مجال العلوم ليس فقط العلوم المعروفة، بل العلوم في المستقبل.
[ هنري برغسون على العكس من ذلك قفز فوق هذا التصنيف التقليدي، عكس الكيمياء والبيولوجيا وتحولت الى الجهة الاخرى من مذهب الجبريين والعقلانيين.
ـ اليوم ليس لدينا النظام الذي كان في القرن الماضي يضيف برغسون مشددا بقوة على ملاحظة مهمة جداً. مثلما يقول البعض (Gambetta): “لا يوجد شيء اسمه سؤال اجتماعي أو قضية اجماعية ولكن اسئلة وقضايا اجتماعية”، نفس الشيء يدفعني الى القول لجهة ان ما احمله يحتوي على بعض الاشياء الجديدة وبالمقابل اقول ليس هناك من مشكلة فلسفية او قضية فلسفية وانما هناك لا نهائية من الاسئلة المحددة التي تتطلب منا اجوبة وحلولاً منفصلة ومن المستحيل تحويلها الى قضية واحدة ومعادلة واحدة.
التطور الخلاق
[ هنري برغسون مؤلف كتاب “التطور الخلاق” برهن بأن الشروحات العلمية صحيحة بالنسبة للظواهر التي تعالجها التطبيقية ولكنها لا يمكن ان تتسع الكون كله؟
ـ العلم هو جزء من المطلق ولكنه غير ثابت وبمقياس واحد لا يتغير. لا يمكن تفسير كل ذلك ببعض الكلام (…) الثابت الوحيد هو الحياة في كل فصولها المتحركة، والعقل او الذكاء هو اثمن قوة حصل عليها الانسان الى الآن لأن به تفوقه الحقيقي الحاضر. غير ان خبرات العقل وادراكاته تعجز عن التعويض عن اصول الحياة لأنها هي غير نوعها، متحركة ولا ترى الحركات الداخلية في اعماق النفس. فقط هو الحدس الطريقة الوحيدة في النجاة، أي البداهة والحدس شرطان من شروط الحياة نفسها والمادة الخالدة ويدخل هذا التصنيف الدائرة النسبية التي عمل عليها كانط وينكر على العقل امكانه معرفة الشيء معرفة نسبية حقيقية، ذلك ان يقدم البداهة على العلم وما البداهة سوى الغريزة التي ارتقت بالانسان او ان المنطق العقلي (العلمي) لا يقوم مقام الحيرة الشخصية الداخلية الأكيدة (الفلسفة). هذه الفكرة .
[ وماذا عن الأجيال الجديدة؟
ـ إنها أجيال جدية، لديها فكرة عميقة عن المسؤولية الفردية، تقفز بحيوية وتشعر بقوة واكثر من الاجداد بأهمية الأفعال والمسؤولية.
[ وماذا عما سمي “الازمة الفرنسية” اليوم في العالم؟
ـ هذه الازمة لا وجود لها حين نكتب جيداً، ولكي نكتب جيداً يجب أن نبذل مجهوداً كبيراً، ان نكتب يعني ان نبحث جيداً عن الكلمات ولكن للوصول الى معرفة الذات الأمر يصير شاقاً وخطراً (…)
[ هنري برغسون يمجد ويفخم التعليم الكلاسيكي القديم؟
ـ لم أقل هذا تماماً، اللغة اللاتينية مهمة في الكتابة الجيدة، الكلام هنا طبيعي عن نتيجة لا يمكن يتوصلوا إليها إلا عبر منهجية تعليمية. ولكن حتى اللاتين لم يتوصل الى تأثير إيجابي إلا بشرط انهم أمحوا الكثير. هناك أيضاً اليونان، اللغة اليونانية هي اللغة الكلاسيكية الحقيقية.
[ ولكن هناك اسباب اخرى لكتابة سيئة؟
ـ قلت ان ايقاع المراجعات والمناقشات قد تلاشى بشكل عام، هذا صحيح، هناك مراقبة اقل للكلام المحكي وكذلك مراقبة أقل للكلام المكتوب. لذلك نحن بحاجة الى العمل الجيد وهذا على النقيض من التراث الفرنسي الكبير.
[ لكن برغسون لديه الثقة الكبيرة في المستقبل؟
ـ اعتقد ان لا شيء محدد نهائياً، نحن نحاول التأثير، الفعل، شد الانتباه الى ما هو جيد وما هو سيئ والخطر الذي يمكن مواجهته. النخبة الفرنسية موجودة دائماً هناك نخبة، ولكن هذا لا يكفي في فرنسا اليوم، يجب العمل على ايجاد الوسائل والطرق الفرنسية جيدة نخلقها ونبدعها وكانت عندنا خلال العصور.
[ بالكاد تتكلم عن الأميركية، ولأسباب متعددة انت معجب بالفرنسية؟
ـ كل شيء مطلق، يفسد بصورة مطلقة وينتهي الى اللاشيء. والكلمة لا أهمية لها بحد ذاتها بمقدار اهمية نمط الحياة واسلوب الحياة التي نعيش.
[ بالعودة الى اللقاءات الفكرية النسوية؟
ـ هذا خلال محاضراتي “Cours Pour dames”، وإذا النساء أو الصبايا استمعن اليّ في المحاضرة فهذا جيد مثلهن مثل غالبية التلاميذ الذين سيستقبلون نفس التحضير والاعداد الخاص كما النساء.
[ لا أحد من الفلاسفة في مرثية هنري برغسون ما هو السر في الحساسية الحية في طريقة وعي افكارك، في طريقة العرض الفلسفية، في سحر الأفكار والمعاني في غموضها، البعض يقصد محاضرتك كما يقصد امسية موسيقية ويقارن ارادياً بين الفلسفة والموسيقى، ما هو هذا السر؟
ـ كثير من المستمعين في محاضراتي يقولون لي نحن نتبعك من طرف الكلام الى الآخر، من الغاية إلى المنتهى. ترجمة فعلية كما في قطعة موسيقية مؤلفة من نوتات متتالية. بالتأكيد عدد قليل لديه الثقافة الموسيقية يدرك ذلك جيداً، هذا يحصل مع ناس ليسوا بفلاسفة ويعطون أهمية لما أقوله. والآن نرتكب خطأ كبيراً اذا اعتقدنا ان النساء غير مؤهلات وغير قادرات على فهم التفكير والتأمل الفلسفي، بالعكس يملكن تلك النوعية الاستثنائية التي ركز عليها رينان الرقة والنعومة او اللطافة التي بامكانها الحكم على كل شيء ببساطة وعفوية وأيضاً بحب.

[ ساعة من حوار غير منشور أجراه ناقد فرنسي من مئة سنة مع الفيلسوف هنري برغسون

نبذة

هنري برغسون (1859ـ 1941)

هنري برغسون يهودي فرنسي، فيلسوف مثالي، وممثل الحدسية intuitionisme. نزحت أسرته من انكلترا إلى فرنسا. حصل على الدكتوراه في الفلسفة العام 1900 وعلى عضوية الاكاديمية الفرنسية سنة 1914 وفي سنة 1927 على جائزة نوبل للآداب . أشهر كتبه هي: “فكرة المكان عند ارسطو” (1889)، “مقال في المعطيات المباشرة للشعور” (1889)، “المادة والذاكرة” (1869)، و”الضحك” (1900) و”التطور الخلاق او الخالق” (1907) ، “الطاقة الروحية” (1919)، “الديمومة والمعية”(1992)، “منبعا الاخلاق والدين” (1932)، “الفكر المتحرك” (1934). المفهوم الرئيسي في فلسفته هو “الديمومة الخالصة” اي اللامادية، وهي أصل جميع الاشياء.
والمادة والزمان والحركة هي اشكال مختلفة لتصورات وتجليات وتمثلات تلك الديمومة ولا يمكن إحراز المعرفة بالديمومة الا بالحدس والادراك المعرفي التأملي اي المعرفة من الداخل والتعاطف الشعوري الممزوج مع العقل، اي العقل والنفس معاً كما في الفلسفة اليوناينة القديمة.












التوقيع - سميرة بورزيق

تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل وعدت إلى تصحيح أول منزل،غزلت لهم غزلا دقيقا فلم أجد لغزلي نساجا فكسرت مغزلي . (الغزالي)

رد مع اقتباس
قديم 22-11-2011, 01:27 AM رقم المشاركة : 2
سميرة بورزيق
أنا

الصورة الرمزية سميرة بورزيق
 





***

اخر مواضيعي
 

***
سميرة بورزيق غير متواجد حالياً

افتراضي

عمانوئيل كانط
فيلسوف كرامة الإنسانية



جان ماري مولِّر٭



في التوطئة التي عقدها عمانوئيل كانط (1724-1804) على كتابه عقيدة الحق، طرح الفيلسوف "مسألة معرفة إنْ كان من الممكن فعلاً وجودُ أكثر من فلسفة". لا مناص، أولاً، من ملاحظة أنه قد وُجدت طُرُق عديدة للتفلسف، وأن هذه الطرق متنوعة وغالبًا متناقضة، وأنه كان لا بدَّ للأمر من أن يكون كذلك لأن كل واحدة من هذه الطرق "ذات جدارة". لكنه يؤكد أنه لمَّا كان لا يمكن أن يوجد "إلا عقل إنساني واحد فقط، ليس من الممكن لفلسفات عديدة أن توجد"[1]. ذلك أن من قبيل التناقض بالفعل القبولَ بإمكان وجود فلسفتين صحيحتين تتناولان الموضوعات نفسها.

مفاد القناعة التي أود أن أتوسع فيها أمامكم هي أن الخيار اللاعنفي هو "الحدث" الأصلي المؤسس للمعرفة الفلسفية. بذا يصبح اللاعنف مبدأ الفلسفة، أي قضيتها الأولى والرائسة، بدؤها وأساسها، – الأمر الذي يعني في المحصلة أنه لا يمكن لفلسفة صحيحة أخرى أن توجد غير الفلسفة التي تأخذ بخيار اللاعنف. اللاعنف ليس فلسفة ممكنة، ليس إمكانية من إمكانيات الفلسفة، بل هو بنيان الفلسفة بذاته: ما من فلسفة ممكنة إلا وتصر على أن فريضة اللاعنف لا جدال فيها، على أنها التعبير عن إنسانية الإنسان الذي لا يقبل الطعن في صحته، وعلى أنها مكوِّنة لما هو إنساني في الإنسان.

كثيرًا ما يُنظر إلى فلسفة كانط بوصفها إسهامًا حاسمًا في صياغة الفلسفة الأخلاقية. إنها "ذات جدارة"، على حدِّ تعبير كانط نفسه، وهذه الجدارة هائلة! فالفيلسوف الألماني ما انفك يتفكر في هوان الكائن الإنساني وفي عظمته. وقد حاول، بأكثر ما يكون من النزاهة الفكرية، أن يتفهم، في آنٍ معًا، النزوع الطبيعي إلى الشر و"الاستعداد الرائع للخير"[2] اللذين يتقاسمان قلب الإنسان. وقد أكد، أكثر من أي فيلسوف آخر، أن إنسانية الإنسان جديرة بالاحترام لأن "الإنسانية نفسها هي كرامة"[3]؛ وبصرامة فكرية قصوى، بيَّن أن أعمق فرائض الإنسان هي احترام "كرامة الإنسانية في شخصه هو"[4]، وفي الآن نفسه، الاعتراف بـ"كرامة الإنسانية في كل إنسان آخر"[5].

غير أن مدار حديثي بالطبع ليس الادعاء بأن كانط قد بسط، من حيث لا يدري، فلسفةً في اللاعنف – فهو يجهل مفهوم اللاعنف. لكن من المشروع قطعًا الاستناد إلى عبارات كانط نفسها لطرح تعريف بالعنف بوصفه "انتهاك [المرء] للإنسانية في شخصه هو"[6] وفي شخص الإنسان الآخر، واعتبارًا من ذلك، التعريف بمفهوم اللاعنف بوصفه احترام المرء الإنسانيةَ في شخصه هو وفي شخص الإنسان الآخر على حدٍّ سواء. سوف أقتبس من كانط إذن مادة فكرية لبناء تفكُّري أنا بقصد مقاربة فلسفة اللاعنف التي يبدو لي أنها تعبِّر خير التعبير عن حقيقة إنسانية الإنسان. لن أقوِّل كانط ما لم يقل، لكني سوف أقول ما لم يقل، مقتبسًا منه عناصر معينة من تفكُّره لتغذية تفكُّري الشخصي. ولسوف أختار هذه المواد بكل حرية: أي أنني، مستبقيًا بعضها، سوف أستبعد في الوقت نفسه بعضها الآخر مما يبدو لي غير قابل للاستعمال، من غير أن أصرف وقتًا في تبرير خياري، غير سالك طريق عرض فكره وتحليله نقديًّا، لأن هذه المقاربة أطول بكثير مما ينبغي.

يعتبر إريك ڤايل أن كانط

[...] كاتب عظيم، أي كاتب أثَّر فكرُه على الحاضر، وإذ رَفَعَ هذا الفكر إلى صعيد أعلى من الصعيد الذي انطلق منه الكاتب نفسه، زود أخلافه بمزية التمتع، من أجل اجتهاداتهم هم، بنوع من المقفز انطلاقًا مما كان يجب، بنظر ذلك الرجل العظيم، أن يبقى هو الغاية[7].

ومنه، أود أن أتكئ على فلسفة كانط الأخلاقية لكي أستخدمها كمقفز.

في تساؤل كانط عن النزوع الطبيعي للإنسان إلى خبث النية mal-veillance، توصل إلى الإجابة بأنه يتعين بـ"حب الذات":

إن جملة الميول (التي تُسمى تلبيتُها عندئذ السعادة الشخصية) هي التي تشكِّل الأنانية. والأنانية هي إما حب الذات، وهو عبارة عن مراعاة مفرطة للنفس، وإما إرضاء النفس[8].

بذا فإن "الاعتزاز بالنفس" amour-propre (نزوع المرء إلى حب نفسه على حساب الآخرين) طبيعي لدى الإنسان، وهو يستيقظ فيه قبل القانون الأخلاقي. الإنسان، بطبيعته، ميال إلى الحرص على مآربه هو أولاً. فحين يبادر المرء إلى الفعل "يصطدم دومًا بالأنا العزيزة التي تنتهي دومًا إلى الظهور"[9]. الإنسان، تأكيدًا لهويته، في حاجة لا تُقهَر إلى الاعتراف به؛ وهو يتوقع من الآخرين أن يُظهروا له هذا الاعتراف كانعكاس لحبِّه لنفسه. وهذا لا يعني وجوب إسكات كل طموح – فالطموح حافز من حوافز الإرادة: لكن الطموح ليس نبيلاً إلا عندما يكون في خدمة قناعة ما. غير أن الإنسان، بكل أسف، كثيرًا ما يغريه أن يقدِّم مطامحه على قناعاته.

ومادام الإنسان خاضعًا لميوله الطبيعية – قد يستطيع ألا يستمع إليها، لكنه لن يُسكتها أبدًا –، فهو يتصف بشهوة هائلة إلى المجد، وهو يستظل بمجد الآخرين. إنه لا ينفك يعبد نفسه ويهيب بالآخرين أن يشاركوا في هذه العبادة. يريد الإنسان أن يكون شهيرًا وسط الآخرين، أي أن يُشهره الآخرون بذكره. والإنسان، في طلبه الشهرة، التي يأمل أن تستمر بعد موته بتركها أثرًا في التاريخ، يريد أن يشبع رغبته في الخلود. بيد أن الشهرة، لا تلك التي تُنال عفوًا بل تلك التي تُطلب، لا يفوز بها المرء إلا ضد الآخرين. إذ إن اشتهار المرء هو أن يكون على نحو ما في المرتبة الأولى.

حين يلتقي كائنان، وكلٌّ منهما يريد أن يثبت حبَّه لنفسه، فهو الصدام لا محالة؛ وهذا الصدام من شأنه جزمًا أن يحرض العنف. العنف هو اصطدام أنانيتين، تجابُه نرجسيتين، احتدام غرورين. كل إنسان فهو شبيه نرجس Narcisse، ذلك الشاب في الأسطورة اليونانية الذي، إذ شاهد انعكاس صورته في الماء، وقع في هوى نفسه. إنه لا يحب إلا نفسه، ولا يهتم للآخرين إلا ليزدريهم. الإنسان، بطبيعته نفسها وفي علاقته مع سواه، يغار تلقائيًّا من غيره من البشر؛ إنه لا ينفك يقدِّر سعادته هو بالمقارنة مع سعادة سواه. الإنسان، حبًّا بنفسه، يقارن نفسه دائمًا بالآخرين، مريدًا أن يتفوق عليهم:

من حب الذات هذا ينجم نزوع المرء إلى أن يؤمِّن لنفسه قيمة ما في رأي سواه؛ وأغلب الظن أنه لا يريد في الأصل إلا المساواة، فلا يتيح تفوقًا عليه لأحد، بينما هو يخشى دومًا أن يطمح آخرون إلى هذا التفوق؛ ومنه تنتج شيئًا فشيئًا الرغبة الجائرة في الفوز به للنفس على حساب الآخرين. – وفوقهما، أي على الغيرة والمنافسة، يمكن أن تنزرع أكبر الرذائل، ما بَطُنَ منها وما ظهر، من صنوف العداء ضد جميع الذين نعتبرهم بنظرنا غرباء[10].

والإنسان، إذا لم يستمع إلا إلى نوازعه ورغباته الطبيعية، يذعن طواعية للرذائل التي "تؤلف الأسرة المريعة للـحسد ونكران الجميل والفرح بمصائب الآخرين"[11]. وهذا الفرح الخبيث، المريع بالفعل، يتجذَّر في الرضا الذي قد نستشعره حين نعتبر أنفسنا سالمين من المصيبة التي تحل بسوانا.

ولقد كان باروخ سپينوزا (1632-1677) سباقًا، في كتابه الأخلاق، إلى التشديد على أن الحسد والغيرة هما العلتان الطبيعيتان الرئيسيتان اللتان تعيِّنان سلوك الإنسان حين لا يحيا على هدي من العقل:

بمجرد أن نتخيل أن أحدهم يستمد من شيء ما فرحًا، ترانا نحب هذا الشيء ونرغب في أن نستمد منه فرحًا. لكننا نتخيل أن العائق لهذا الفرح آتٍ من أن آخرًا سوانا يستمد منه فرحًا؛ ومنه فإننا لا نألو جهدًا لكي لا يعود مالكًا هذا الشيء[12].

ولهذا سوف ننازع الآخر ولن نتورع، عند الضرورة، عن اللجوء إلى العنف ضده:

بمقدار ما يحرك الحسدُ أو أية علة من علل الكراهية البشرَ ضد بعضهم بعضًا فإنهم يناقضون بعضهم بعضًا، وبالتالي، تتناسب الخشية منهم طردًا مع تفوُّق سلطانهم على سلطان غيرهم من أفراد الطبيعة الآخرين[13].

أحكام القانون الأخلاقي

لكن عقل الإنسان يجعله يكتشف وجود قانون آخر غير قانون "حب الذات"، ألا وهو "القانون الأخلاقي". على الإنسان، بوصفه كائنًا عاقلاً، أن يعمل بدافع إرادة الانصياع لأحكام القانون الأخلاقي. وهذا القانون يفني مآرب حب الذات:

العقل يمحق الخيلاء تمامًا، بما أن جميع مآرب عزة النفس، السابقة للتوافق مع القانون الأخلاقي، تغدو باطلة وغير شرعية[14].

بذا يجب على الإرادة ألا تتعين إلا بالقانون الأخلاقي، بينما النزوع الطبيعي للإنسان، استعداده الأصلي، هو تعيين إرادته بقانون حب الذات. ومنه فإن القانون الأخلاقي لا يُحترم إلا على حساب الميول الطبيعة. لذا فإن "القانون الأخلاقي يتمثل أولاً بوصفه نهيًا"[15]. ومذ ذاك، "لا يكون أثر القانون الأخلاقي إذن إلا سلبيًّا"[16]. يتكون الشعور الأخلاقي من الاحترام الذي يكنُّه الإنسان العاقل للقانون الأخلاقي الذي يجبره على كظم ميوله ورغباته وضبطها، تلك الميول والرغبات التي لا تتوافق من تلقاء نفسها مع هذا القانون. بذا فإن "المعرفة الأخلاقية للنفس تُعارض عزة النفس بالذات التي تنجم عن حب الذات"[17]. إن الحد الذي يفرضه الإنسان الأخلاقي على مآرب اعتزازه بنفسه، احترامًا لكرامة غيره من البشر، يسمَّى "تواضعًا"[18].

ليس النازع الأول للإنسان نحو الإنسان الآخر إذن إبداء حسن النية bien-veillance تجاهه؛ بل إن ردَّ فعله الفوري أميل بالحري إلى الإذعان لإغراء استعمال العنف ضده حتى يزيحه من طريقه. فمادام البشر باقين على "الحالة الطبيعية" فهم "يتخذون العنف قاعدةً للسلوك ويُظهرون خبثًا [...] يقودهم إلى شن الحرب بعضهم على بعض"[19]. لذا فإن الفريضة الأولى للأخلاق هي الامتناع عن كل خبث نية mal-veillance تجاه الآخرين. فحالما يغادر المرء حلقة أصدقائه الضيقة ويصادف فردًا غريبًا عنه، فإن نزوعه إلى الحساسية يدفع به إلى إرادة الدفاع عن امتيازاته هو أكثر منه إلى الالتفات إلى حاجات الآخر. إنما في هذه اللحظة بالذات يقتضيه وجوبُ الأخلاق أن يتحلى بإرادة إبداء حسن النية تجاهه. إن ما يختص به الواجب الأخلاقي الذي يُلزم الإنسان هو إرادة إبداء حسن النية تجاه الإنسان الآخر في الوقت نفسه الذي تنزع مشاعرُه الطبيعية إلى خبث النية.

يبدو مشروعًا، وخصبًا بصفة خاصة، الاتكاءُ، من ناحية، على آراء كانط فيما يخص "حب الذات"، تعليلاً للنزوع الطبيعي للإنسان إلى العَنَف بالإنسان الآخر، ومن ناحية أخرى، تأسيس فريضة اللاعنف على التصور الذي بسطه كانط عن "القانون الأخلاقي". إذ ذاك يبدو اللاعنف بوصفه فضيلة الإنسان الشجاع الذي تتحلى إرادته بالقوة الأخلاقية لمقاومة "ما هو فينا خصم النية الأخلاقية"[20]، وذلك كي يستطيع أن يبدي حسن النية تجاه الإنسان الآخر. هنا يتقاطع رأي كانط مع واحد من التأكيدات الأصلية للفلسفة الذي يكون الإنسان الفاضل بحسبه هو المرء الذي يكتسب قوة السيادة على نفسه، أي السيطرة على نوازعه وميوله ورغباته المتولدة عن حب الذات، أي عن الأنانية.

هنا تبدو لنا ممكنةً صياغةُ تعريف بالعنف اعتبارًا من الإلزام الثاني الذي وضعه كانط في كتابه أسس ميتافيزياء الأخلاق:

افعلْ بحيث تعامل الإنسانية دومًا، سواء في شخصك أو في شخص أي إنسان آخر، كغاية في الآن نفسه، وليس أبدًا كمجرد وسيلة[21].

إن أساس هذا المبدأ، بحسب كانط، هو أن الأشخاص، على العكس من الأشياء التي ليست إلا وسائل، موجودون كغايات بحدِّ ذاتهم. هو ذا يؤكد:

الإنسان، وكل كائن عاقل عمومًا، موجود كغاية بحدِّ ذاته، وليس كمجرد وسيلة تستطيع هذه الإرادة أو تلك أن تستعملها كما يحلو لها؛ ففي أعماله كلها، سواء ما يخصه منها أو ما يخص كائنات عاقلة أخرى، يجب أن يُعتبَر دومًا بوصفه غاية في الآن نفسه[22].

بذا فإن مَن يستخدم غيره من البشر كمجرد وسائل ينتهك إنسانيتهم: إنه يعنف بهم.

فريضة حسن النية

حين اجتهد كانط في التعريف بالواجب الأخلاقي الملزم للإنسان تجاه الإنسان الآخر، لم يجرؤ على الكلام على المحبة، مفضلاً عليها حسن النية، فكتب:

المحبة قضية شعور، لا قضية إرادة؛ فلا أستطيع أن أحب لأنني أريد ذلك، ولا بالأحرى لأن ذلك واجب علي (ما يعني: أن أكون مجبرًا على المحبة)؛ ومنه فإن وجوب المحبة من قبيل اللامعقول. في المقابل، يمكن لـحسن النية amor benevolentiæ، بوصفه فعلاً، أن يكون خاضعًا لقانون الواجب[23].

غير أنه يعترف بأنه كثيرًا ما يُسمى "محبة" حسنُ نية متجرد تجاه الآخرين، وإنْ لم يكن إلا "بطريقة مغلوطة جدًّا"[24]. هو ذا يدقق:

غير أن المحبة يجب ألا تُفهم هنا كعاطفة [...]، ولا كحبٍّ على سبيل المجاملة (إذ ما من إلزام بأن نكنَّ عواطف بتاتًا يقدر آخرون أن يفرضوه علينا)، بل يجب تصوُّره كقاعدة سلوك بحسب حسن النية (بوصفها ممارسة) ينجم عنها الإحسان[25].

مذ ذاك، فإن الإحسان bienfaisance إلى غيرنا من البشر، بقدر ما نستطيع، واجب، "سواء أحببناهم أم لم نحبهم"[26].

وعلى حسن النية أن يكون شاملاً؛ أي أنه يجب أن يشمل البشر الآخرين كافة: يجب عليَّ أن أريد الخير لجميع البشر. أما الإحسان، الذي هو التعبير العملي عن حسن النية، فلا يمكن له أن يمارَس إلا تجاه أفراد بعينهم: ليس بوسعي أن أحسن إلا إلى الأقربين.

واجب الإحسان يُلزمني أن "أسعى في ضمان سعادة سواي"[27]. ويقترح كانط أيضًا تعبيرًا آخر عن واجب الإحسان تجاه القريب:

إنه عبارة عن واجب جعل غايات غيري من البشر غاياتي (على ألا تكون هذه مجرد غايات غير أخلاقية وحسب)[28].

وفي الغالب الأعم، يقتضيني ذلك، من ناحية، أن أتخلى عن إرادتي بأن يصير الآخر مجرد وسيلة لخدمة غاياتي الشخصية، ومن ناحية ثانية، أن أحدَّ من مأربي بلوغ غاياتي، وأحيانًا أن أزهد في غاياتي حتى. العَنَف بغيري من البشر إنما هو إرادة استخدامهم كمجرد وسيلة إلى غاياتي الشخصية:

إن مَن ينتهك حقوق البشر ينتوي استخدام شخص الآخرين كمجرد وسيلة، من غير اعتبار أن الآخرين، بوصفهم كائنات عاقلة، يجب أن يقدَّروا دومًا في الوقت نفسه كغايات[29].

إن طيبة bonté الإنسان تجاه الإنسان الآخر لا تفترض المساواة، لكنها تقتضي ترسيخها: فالطيبة لا يجوز لها أن تكون غير مشارَكة النظير للنظير. الطيبة لا يمكن لها أن تمارَس من الأعلى إلى الأدنى. الطيبة ليست رأفة commisération، بل وصال communion. أولى فرائض الطيبة هي العدالة التي تعيد إلى الإنسان المُهان حقوقه. فإذا لم يكن العطاء مشاركة فهو لا يزال سيطرة، لا يزال إذلالاً. يقول "نبي" جبران خليل جبران:

بعض الناس يعطي القليل مما عنده من كثير – أولئك يعطون تباهيًا بالعطاء، فتذهب نياتهم المستورة بطيبات عطاياهم. [...]
ومن تكون أنت حتى يكشف الناس لك عن خبيئة صدورهم ويلقوا عنهم رداء الكبرياء، فترى منهم أقدارًا عارية وعزة مبذولة؟[30]

"التصدُّق" على الإنسان الآخر تفضُّلاً هو كذلك من قبيل تجاهُل كرامته. وقد كتبت سيمون ڤايل في ذلك:

لقد اخترعنا التمييز بين العدل والصدقة، ومن السهل فهم لماذا. إن مفهومنا عن العدل يعفي الذي يملك من العطاء. فإذا أعطى مع ذلك، يحسب أن بوسعه أن يكون راضيًا عن نفسه، يحسب أنه أحسن صنعًا. أما الذي يأخذ، فوفقًا للطريقة التي يفهم بها هذا المفهوم، إما أن يعفيه من كل امتنان، وإما أن يُكرهه على بذل الشكر متَّضعًا. وحده التطابق المطلق بين العدل والمحبة يجعل ممكنةً في آن معًا الرحمةَ والامتنانَ، من ناحية، واحترامَ كرامة البلوى عند المبتلى، لديه ولدى الآخرين، من ناحية ثانية. لا مناص من التفكير بأنه ما من طيبة يمكن لها أن تتخطى العدل، تحت طائلة ارتكاب خطيئة تتستر بمظهر طيبة مزيف[31].

أما نيتشه، فقد راح، بعبقريته الخاصة، يندد بالرحماء الذين، من خلال شفقتهم المباهية، يُذلون المتألمين[32]. هو ذا زرادشت يصرخ: "الحق أقول لكم، لا أحبهم، هؤلاء الرحماء السعداء بشفقتهم: فالحياء ينقصهم." يجدر بالمرء، أجل، أن يستقبل ألم الإنسان الآخر، لكن يحسن به أن يفعل ذلك من غير مباهاة:

الإنسان النبيل يفرض على نفسه ألا يُذل غيره من البشر: إنه يلتزم الحياء حيال كل ما يتألم. [...] إذا وجب علي أن أكون رحيمًا فلا أريد على الأقل أن يقال عني ذلك؛ وحين أكون رحيمًا ليكن ذلك عن بُعد. أوثر أن أحجب وجهي وأهرب قبل أن يتعرف الناس إلي.

زرادشت يفضل أن يتعلم الابتهاج مع غير المتألمين، لأننا "حين نتعلم كيف نُحْسِن الابتهاج، نُحسن نسيان ما تعلَّمنا من إساءة إلى الآخرين ومن اختراع للأوجاع". فلأن الناس لا يعرفون كيف يبتهجون يوجد على الأرض كل هذا العدد من الأشقياء!

يجدر بالمرء كذلك أن ينسى الخير الذي يصنعه للإنسان الشقي. ويواصل زرادشت كلامه:

لهذا أغسل يدي التي أسعفت المتألم، ولهذا أمسح روحي أيضًا. ذلك أنني أخجل من رؤيتي المتألم يتألم بسبب خجله؛ فحين مددت له يد العون أصبته في كبريائه إصابة قاسية.

فحتى لا يكون العطاء إذلالاً يجب أن يتم في الصداقة:

أنا ممَّن يعطون: يطيب لي أن أعطي، كصديق للأصدقاء. أما الغرباء والفقراء فليجنوا بأنفسهم ثمرة شجرتي: فهذا أقل إذلالاً لهم.

وحتى حيال الأصدقاء، لا بدَّ من التغلب على كل شعور بالشفقة:

إذا كان لك من صديق يتألم، فكن لألمه ملاذًا، لكن كن، على نحو ما، سريرًا قاسيًا، سرير معسكر: فهكذا تكون له أنفع ما تكون. [...] الويل لكل مَن يحبون حبًّا من غير أن يقفوا على علوٍّ يفوق شفقته! [...] احفظوا أيضًا هذه العبارة: كل حبٍّ عظيم فهو يفوق شفقته: لأن ما يحبه يريد أن يخلقه! [...] وجميع الخالقين قساة.

حتى تكون الرحمة التي نكنُّها للإنسان الآخر تجليًا للطيبة بحق، يجب أن نكون بأنفسنا – وإنْ يكن في الحدِّ الأدنى – قد جابهنا الألم واجتزنا البلوى وتغلبنا على المأساة. فوحده الذي عرف القنوط بوسعه أن يتواصل مع الإنسان القانط، ولعله يقدر أن يجعله يستطيب مذاق الحياة من جديد.

عن واجب حسن معاملة الحيوان

ولا يغفل كانط عن معالجة موقف الإنسان حيال "الطائفة من المخلوقات التي تتصف بالحياة، وإنْ تكن عديمة العقل"[33]. إنه يعتبر أن على الإنسان، على سبيل الواجب تجاه نفسه، أن يجتهد في تجنب العَنَف بالحيوان، لأن معاملة كهذه تحضِّره سلفًا لقبول استعمال العنف ضد غيره من البشر. وقد كتب في ذلك:

إن معاملة الحيوانات معاملة عنيفة، وفي الوقت نفسه قاسية، وثيقة التعارض مع واجب الإنسان حيال نفسه، لأن من شأنها أن توهن التعاطف مع عذاباتها في المرء ولأن ذلك يُضعف، وشيئًا فشيئًا يفني، استعدادًا طبيعيًّا نافعًا جدًّا للأخلاقيات في العلاقة مع غيره من البشر[34].

غير أن كانط لا يمضي بعيدًا مثل گاندهي، فيعتبر أنه يجوز للإنسان أن يقتل الحيوانات مادام، وهو فاعل ذلك، يجتنب كل صنوف القسوة.

الترجمة من الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس

*** *** ***

سماوات

نصٌّ أعدّه المفكر الفرنسي اللاعنفي جان-ماري مولِّر لجامعة "أونور" (جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان في العالم العربي، تولّى، university@houkoukmadania.org ومقرُّها لبنان)، في سياق مادة "فلسفة اللاعنف" التي يدرِّسها في الجامعة. ترجمه إلى العربية ديمتري أڤييرينوس، ويُنشر ضمن اتفاق خاص مع "أونور".




٭ فيلسوف ومناضل لاعنفي فرنسي والناطق باسم "الحركة من أجل بديل لاعنفي"؛ وضع كتبًا عديدة في فلسفة اللاعنف وإستراتيجية العمل اللاعنفي، منها: مبدأ اللاعنف: مسار فلسفي (1995)، گاندهي العاصي: ملحمة مسيرة الملح (1997)، إستراتيجية العمل اللاعنفي، حركة حقوق الناس (1999)، قاموس اللاعنف، معابر للنشر/الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية (2007).

[1] Emmanuel Kant, préface à la Doctrine du droit, Paris, GF Flammarion, 1994, pp. 11-12.

[2] Emmanuel Kant, Métaphysique des mœurs, Doctrine de la vertu, Paris, GF Flammarion, 1994, p. 300.

[3] Ibid., p. 333.

[4] Ibid., p. 283.

[5] Ibid., p. 333.

[6] Ibid., p. 279.

[7] Éric Weil, Problèmes kantiens, Paris, Vrin, 1990, p. 10.

[8] Emmanuel Kant, Critique de la raison pratique, Paris, PUF, 1960, pp. 76-77.

[9] Emmanuel Kant, Fondements de la métaphysique des mœurs, Paris, Librairie Delagrave, 1952, p. 113.

[10] Emmanuel Kant, La religion dans les limites de la simple raison, Paris, Vrin, 1968, p. 71.

[11] Critique de la raison pratique, op. cit., p. 327.

[12] Spinoza, Éthique, Paris, GF Flammarion, 1965, p. 166.

[13] Ibid., p. 294.

[14] Critique de la raison pratique, op. cit., p. 77.

[15] La religion dans les limites de la simple raison, op. cit., p. 84.

[16] Critique de la raison pratique, op. cit., p. 76.

[17] Doctrine de la vertu, op. cit., p. 300.

[18] Ibid., p. 332.

[19] Doctrine du droit, op. cit., p. 126.

[20] Doctrine de la vertu, op. cit., p. 219.

[21] Fondements de la métaphysique des mœurs, op. cit., pp. 150-151.

[22] Ibid., p. 149.

[23] Doctrine de la vertu, op. cit., p. 246.

[24] Ibidem.

[25] Ibid., pp. 314-315.

[26] Ibid., p. 246.

[27] Fondements de la métaphysique des mœurs, op. cit., p. 172.

[28] Doctrine de la vertu, op. cit., p. 315.

[29] Fondements de la métaphysique des mœurs, op. cit., p. 152.

[30] جبران خليل جبران، النبي، نقله إلى العربية وقدم له ثروت عكاشه، القاهرة، دار المعارف، طب 4: 1979، ص 83، 85.

[31] Simone Weil, Attente de Dieu, Le livre de poche chrétien, 1950, p. 125.

[32] Friedrich Nietzche, Ainsi parlait Zarathoustra, Paris, Gallimard, Le livre de Poche, 1963, pp. 103s.

[33] Kant, Doctrine de la vertu, op. cit., p. 302.

[34] Ibidem.













التوقيع - سميرة بورزيق

تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل وعدت إلى تصحيح أول منزل،غزلت لهم غزلا دقيقا فلم أجد لغزلي نساجا فكسرت مغزلي . (الغزالي)

رد مع اقتباس
قديم 16-12-2011, 06:51 AM رقم المشاركة : 3
سميرة بورزيق
أنا

الصورة الرمزية سميرة بورزيق
 





***

اخر مواضيعي
 

***
سميرة بورزيق غير متواجد حالياً

افتراضي

http://www.terezia.org/thumb.php?s=2...207543f7c9.jpg

بقلم: ابراهيم العريس
اذا كان جان – بول سارتر عرف على نطاق ضيق في الحلقات الثقافية والفكرية الفرنسية منذ أواسط ثلاثينات القرن العشرين، فإن شهرته العريضة بدأت لاحقاً بعض الشيء. وليس من طريق الكتب الفكرية أو الأعمال النظرية الفلسفية، بل تحديداً بفضل مسرحية أولى كتبها وقدمت للمرة الأولى في مسرح «لا سيتي» الباريسي في العام 1943. والحقيقة ان لهذا التاريخ في حد ذاته دلالة مهمة، اذ نعرف ان فرنسا كانت ترزح في ذلك الحين تحت نير الاحتلال العسكري النازي بعدما كانت جيوش هتلر ألحقت بها الهزيمة المفجعة في العام 1940، محولة في طريقها، الماريشال بيتان، بطل الحرب العالمية الأولى، الى خائن وحاكم طاغية. هذه المسرحية التي نتحدث عنها هنا هي «الذباب» التي كانت أول محاولة جادة من سارتر لولوج عالم الكتابة المسرحية. ونعرف جميعاً ان هذه المسرحية لا تزال تعتبر حتى اليوم، من أشهر أعمال سارتر، ناهيك بأنها تحسب عادة في خانة الفن المقاوم. وهو أمر يرتبط، كما أشرنا، بتاريخ كتابتها وتقديمها، ما أضفى على موضوعها أبعاداً آنية، هي التي تدور أحداثها في اليونان الأسطورية القديمة. وانطلاقاً من هنا، اذا كان المسرحيون يعودون الى تقديم «الذباب» بين الحين والآخر في هذا البلد أو ذاك، وفي هذه الحقبة من الزمن أو تلك، فإن التقديم أيضاً، لا يأتي عادة من فراغ، بل يكون مرتبطاً بما يمكن أن نسميه البعد الملتزم، المقاوم للمسرحية.
* في هذا الاطار نعرف ان «الذباب» فتحت الطريق لدى سارتر، أمام مسألة الالتزام في الفن، ومسألة مسؤولية الكاتب أو المبدع في الأحداث الكبرى... وفي مقاومة الطغيان والشر والاحتلال والتسلط. والذي يدهشنا اليوم في حقيقة الأمر، انما هو واقع ان المسرحية عرضت بالفعل بكل أبعادها الفكرية ودلالاتها في ذلك العام (1943) حيث كان القمع الألماني قد اشتد في فرنسا، مع تصاعد المقاومة المتصدية للوجود الألماني. علماً أن ذلك الوجود لم يكن عسكرياً أو سياسياً فقط، بل كان يطاول الحياة الفكرية والفنية ويطغى عليهما. صحيح ان تاريخ الفن والفكر الفرنسيين تحت الاحتلال الألماني لم يكتب بكامله وبكل تفاصيله بعد، لكن الناس جميعاً يعرفون كيف انقسم الفرنسيون وبسرعة بين متعاونين مع الاحتلال ومقاومين له... ثم كيف انقسم المقاومون بين من يحمل السلاح ومن يمتشق قلمه، في مقابل التسلط والطغيان. وقد كان جان – بول سارتر من الصنف الأخير. أما مسرحية «الذباب» فقد ظهرت لتعلن هذا الموقف من دون التباس.
> كما أشرنا، تدور أحداث «الذباب» في اليونان القديمة وبالتحديد في مدينة آرغوس ذات التاريخ الأسطوري الذي بني من حوله بعض أجمل وأروع قطع المسرح اليوناني القديم. وسارتر، استعار الكثير من تلك الأحداث ومن الشخصيات التي اشتهرت في تاريخ تلك المدينة ليقول من خلالها، شهادته ودعوته في الزمن المعاصر له... والمسرحية، كما كتبها سارتر وقدمت في عرضها الأول ذاك من اخراج شارل دولان، كانت من الشفافية في اشارتها الواضحة الى الراهن، بحيث يحق لنا أن نسأل، اليوم، كيف مرت وكيف سهت عنها عين الرقيب النازي وأعوانه من الفرنسيين. مهما يكن من أمر، لم يمر العرض مرور الكرام... بل أثار من المشكلات ما ساهم يومها في ذيوع شهرة سارتر.
> في مدينة آرغوس اذاً، لدينا ايغست وقد استتبت له السلطة في المدينة بعد أن قتل اغاممنون، والد أوريست والكترا، وتزوج من كليمنسترا، زوجة الملك المغدور... وها هي المسرحية تفتح لنعرف فوراً ان ايغست قد أقام نظام قمع وعنف في المدينة، فارضاً على أهلها جميعاً أن يُكفروا عن الجريمة التي كان هو نفسه اقترفها. وكانت خمسة عشر عاماً قد مرت منذ مقتل الملك السابق... وها هو اليوم أوريست يعود الى المدينة بعد كل تلك السنين... متطلعاً الى الانتقام. لكنه لا يعود وحده، بل ها نحن نكتـــشف ان جوبيتر، وقد تنكر بزي رجل عجوز ذي لحية، يتبع خطواته خطوة خطوة. وحين يصل أوريست الى المدينة متبوعاً بجوبيتر الذي يعتقده مسافراً في ركب الطريق... لا يجد في انتظاره في المدينة غير رفوف من الذباب الذي يطن في الجو وينقض على أي شخص يمر. واذ يبدي اوريست انزعاجه من هذا الذباب، يقول له جوبيتر انه ذباب ذو قيمة رمزية: انه انما يمثل الندم الذي يتآكل أهل آرغوس على مقتل ملكهم آغاممنون الذي لم ينسوه أبداً... وها هم لا يزالون بعد كل تلك السنين يرتدون اللون الأسود حداداً عليه.
> بعد حين من وصول أوريست الى المدينة تلتقيه أخته الكترا، ولكن من دون أن تتعرف إليه... ومع هذا تشعر ان في امكانها مفاتحته بمكنونات قلبها ولا تتردد في التعبير أمامه عن كراهيتها لإيغست وعن يقينها بأنه هو قاتل أبيها. وهو أمر لا يبدو أنه غائب عن بال أوريست. وهو يقول هذا لإلكترا من دون مواربة... لكن هي لا تكتفي بهذا، بل تقف في الساحة العامة، خلال احتفالات صاخبة تسمى «احتفالات التكفير» وغايتها احياء ذكرى اغاممنون، تقف خطيبة في الجموع التي يفرض عليها الاحتفال ابداء فعل الندامة الجماعية، وتدعو الشعب الى الثورة، ليس فقط من أجل اغاممنون واحتجاجاً على اغتياله، بل أيضاً، وخصوصاً، تطلعاً الى الحرية التي غابت منذ استتب النظام والأمر للطغيان. وهذا الاحتفال الذي يشهد كل ذلك الصخب، هو بالطبع العمود الفقري في بناء المسرحية، خصوصاً ان التقاليد تقول ان الموتى يبعثون خلال الاحتفال، وخصوصاً أيضاً أن الذباب يواصل طنينه في الجو، فيما الجموع تشهق باكية نادمة تبحث عن سبيل للخلاص.
> هذا السبيل، هو ما تتحدث عنه الكترا في خطبتها التي تعتبر في الأصل من أعنف الخطب السياسية في المسرح اليوناني القديم، لكن جان – بول سارتر حولها الى خطاب شديد المعاصرة الآن، خطاب يحمل دلالات سياسية راهنة تصب مباشرة في صلب المقاومة المطلوبة ضد الاحتلال الألماني لفرنسا، وضد سلطة الماريشال بيتان الذي صار رمزاً لذلك الاحتلال ورمزاً للخيانة. غير ان أحداث المسرحية لا تقف عند هذا الحد... اذ ما إن تنهي الكترا خطابها حتى يتدخل جوبيتر في الأمر بدوره مؤلباً الجماهير، ما يدفع ايغست هنا الى الاحساس بالخطر فيطرد الكترا التي تلجأ الى معبد كان اوريست مختبئاً فيه. وهنا، هذه المرة، يكشف أوريست أمام أخته حقيقة شخصيته... واذ يتعانقان، يفاتحها اوريست بأنه راغب ازاء كل ما يحدث في أن يأخذها بعيداً من آرغوس لكنها ترفض الهرب، لقد كرست حياتها من أجل التخلص من ايغست وعلى اوريست مساعدتـــها. وتفـــلح الكترا في تحويل موقف شقيقها من التردد الى القرار. ويعلن انه لا بد من قتل ايغست الآن... وعلى الأقل حتى يتوقف الذباب عن الطنين. ولكن الذي يحدث هو ان الكترا، ما إن يتولى أخوها قتل ايغست وزوجته كليمنسترا (أمه) حتى تحسّ بالرعب ازاء هذا القدر من الاجرام... وتلجأ الى جوبيتر كي ينقذها من فظاعة ما يحـــدث... فيكـــون جوبيتر خير مخلّص لها، فيما تلاحق جمـــاعة الآرينيين (وهم آلهة أشرار يتولون عادة قمع المجرمين) أوريست بغية معاقبته على ما اقترف.
> حين كتب جان – بول سارتر (1905 – 1980) مسرحية «الذباب» كان في الثامنة والثلاثين، فأضاف فن الكتابة للخشبة الى ما كان يشكل تنوع اختصاصاته الكتابية سابقاً (الفلسفة والنقد...). وكانت «الذباب» أولى مسرحياته، لكنها لم تكن الأخيرة، اذ لم يتوقف بعد ذلك عن الكتابة للخشبة... أعمالاً حظيت بشهرة كبيرة مثل: «كين» و «الأيدي القذرة» و «أسرى التونا» و «في مكان مغلق» وغيرها من أعمال عمت العالم الفني كله.
نقلاً عن مقال: «الذباب» لجان بول سارتر: الفن حين يقاوم الطغيان – الحياة












التوقيع - سميرة بورزيق

تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل وعدت إلى تصحيح أول منزل،غزلت لهم غزلا دقيقا فلم أجد لغزلي نساجا فكسرت مغزلي . (الغزالي)

رد مع اقتباس
قديم 09-02-2012, 02:38 PM رقم المشاركة : 4
سميرة بورزيق
أنا

الصورة الرمزية سميرة بورزيق
 





***

اخر مواضيعي
 

***
سميرة بورزيق غير متواجد حالياً

افتراضي

نيتشه، حياة فلسفية: كونوا بقـــــــــــرا!
ميشيل أونفراي
2012-02-08


لقد تفلسف نيتشه(Nietzsche) بالمطرقة في مستودع الخزف الصيني للفلسفة الغربية. وبالرغم من مجال الانهيارات، فإنه يوجد دائما متشيعون لتلك الفلسفة المهيمنة، التي تكون الأولوية فيها للفكرة، التصور، التجريد أكثر مما تعطى لشبقية العالم. تفكر الفلسفة المؤسساتية العالم أقل من تفكيرها في أفكار العالم، إن لها ميلا أقل للواقع من الولع بالوثائق التي تسوق الحديث عنه ؛ وبالتالي فإن عقيدة النص بدون سياق والتي بها ترتبط غالبية أولئك الذين يتطورون في العالم الفلسفي الصغير.
إننا نعرف الثيمات النيتشوية: موت الله، العدمية الأوروبية، قلب القيم، العود الأبدي، الإنسان الأعلى، إلا أنها تكون بالأحرى الفكر الأخير لنيتشه. فقد كان ثمة وجود لذلك، غير أن الإحالة على ذلك لم تكن بالشكل المطلوب، لنيتشه الشاب الذي اقترح نجدة أوروبا المنحطة بواسطة الدراما الموسيقية الفاغنارية ؛ وبالفعل فإن ولادة التراجيديا تشكل سياسة جمالية، إن لم تكن جمالية سياسية، بهدف جعل الجماهير أرستقراطية من أجل خلق شعب أوروبي عظيم. قام نيتشه آخر بمواصلة ذات المسعى، المؤلف الفولتيري لـ 'إنساني، مفرط في إنسانيته'، الذي رسم صورة للـ 'عقل الحر'، صورة متحدرة من أبيقور (Epicure) ورغبته في غياب الكدر. ترك نيتشه المتوسطي المكان لنيتشه الجرماني قبل نيتشه حيث سيتحول الوطن إلى كون صحبة الإنسان الأعلى (Le surhomme) إلى صورة رمزية.
تناقضات ! يقول الساخطون. لكن هل ثمة تناقض بين ثمرة البلوط وشجرة البلوط التي تصدر عنها؟ فقد دافع غوته (Goethe)عن نظرية لتطور النباتات التي ترجع جيدا تحولاتها لنفس القوة في تفرعاتها المختلفة والمتعددة، تتغذى جميعها على ذات النسغ. فإذا كان نيتشه قد وضع نظرية لديالكتيك شعري أعلن عن تحول الجمل إلى أسد والأسد إلى طفل، فلكي يشير، إلى أنه في حياة ما، ثمة زمن لحمل أثقال المثال الزهدي (ideal ascetique)، وآخر لابتكار الذات كحرية و [ زمن ] أخير من أجل براءة الصيرورة. تطابق تلك المسافة الأوطوبيوغرافية الزمن الفاغنيري، [ تطابق ] الزمن الأبيقوري والزمن النيتشوي للفيلسوف.
حول علامة الجمل
ولد نيتشه في 15 أكتوبر 1844 بروكين (Ràcken)، بألمانيا. تموضعت سنواته الأولى حول علامة لعنة أولى: لعنة الموت. أربع سنوات على ولادته، شاهد أولى العلامات على التدهور الجسدي والنفسي لوالده، قس لوثري شديد التقدير، والذي وافته المنية على إثر رخوصة دماغية. تحقق الطفل من تفاصيل تطور المرض. فيما بعد، أصيب بذات الأعراض التي أصابت والده طيلة حياته:التهاب العينين، عمى، شقيقة، آلام، غثيان، قيء. ثم حضر احتضار والده الذي وافته المنية. كان يبلغ من العمر 5 سنوات. في السنة الموالية، رأى نيتشه حلما تحذيريا: خروج شبح والده من قبره، باحثا عن أخيه الصغير ومختطفا إياه إلى رمسه. وفي اليوم التالي، مات الطفل... سيمضي نيتشه حياته مع النساء: أمه، جدته، عمتيه، أخته. كان يعاني، في سنه العاشرة، من أمراض العينين والشقيقة ـ ولم تكن القضية، آنذاك، قضية [ مرض ] الزهري...
كانت رغبته في أن يكون موسيقيا، إلا أن أمه سرعان ما صرفته عن ذلك، فقد كانت تريده قسا مثل والده. أذعن نيتشه للأمر، غير أنه ألف منذ سن العاشرة. تخلى عن علم اللاهوت لصالح فقه اللغة (philologie)، لكنه سوف لن يتلقى أي دروس في الفلسفة... وقد تحقق ولوجه إلى عالم الأفكار على طريقة صعقة حب: فغداة متم أكتوبر 1865، قام بشراء [ كتاب ] شوبنهاور 'العالم كإرادة وتمثل'، وقرأه ضمن حالة حماس منقطع النظير. وقد لعب العمل [ الفكري ] دورا بالغ الأهمية في تطوره: ففيه قام شوبنهاور (Schopenhauer) بتطوير نظرية للجبرية ( determinisme) المطلقة. توجد قوة يسميها إرادة ـ الحياة، وفيها [ القوة ] يتم تقديم خلاصة لكل ما هو موجود. نحن نخضع لهذه القوة التي تمنع المحكم ـ الحر.
يتطابق تشاؤم الفيلسوف مع ما يسميه بحساسيته الخصوصية (idiosyncrasie)، بعبارة أخرى بيولوجيته. يعتقد شوبنهاور بأن الحياة تنوس مثل ساعة دقاقة بين الضجر والمعاناة ويقترح حلا بهدف التخلص من تسلط إرادة ـ الحياة ( vouloir vivre): إيقاف هذه الحركة. كيف ؟ بواسطة ممارسة أخلاق الرحمة، التأمل الجمالي أو إنكار إرادة ـ الحياة: كلنا مبحرون على ذات السفينة التي تقودنا نحو العدم، لنجتهد إذن في ممارسة الرحمة في موضع كل ما هو حي ؛ تأمل إرادة ـ الحياة في الأصداء التي تمنحها الفنون الجميلة بشكل عام، والموسيقى بشكل خا ص، كذلك إرجاء النوسان ؛ رفض الجنسانية، الإنجاب، تأمين سلالة تقود أماما إلى النيرفانا (nirvana) التي إليها يسعى الحكيم. إن صورة الحكيم الذي يمارس هذه الفلسفة سلبت لب نيتشه، الذي لايعتبر أستاذ الفلسفة قيلسوفا.قام نيتشه بتمجيد الحياة الفلسفية، ضدا على هيغل ومعاصريه الذين يعيشون من الفلسفة وليس من أجلها. وسيبذل كل ما في وسعه لتشييد كل وجوده ضمن هذا المعنى.
مثل جمل، يحمل نيتشه شوبنهاور كما يحمل فاغنر ( wagner). فقيه لغة شاب مفتون بالموسيقى، يعشق نيتشه أعمال المؤلف الشهير، اطلعه على الأمر، علم فاغنر الخبر، تمنى ملاقاته. صعقة حب متبادلة. في غضون ثلاث سنوات، أنجز نيتشه ثلاثا وعشرين زيارة إلى مقطن المؤلف [ الموسيقي ]. يعتبر نيتشه أن الانتصار في حرب 1870 على أرض المعركة يعادل خسارتها في مجال الأفكار. تبتكر الغلبة الواجبات ؛ وعليه فإن 'نشأة التراجيديا'، هو عمل يستدعي فيه فقيه اللغة المآسي الإغريقية كي يجعل من فاغنر سليلا لصور العظمة الجمالية. ويرى ماركسيو الأمس واليوم في ذلك الكتاب رد فعل للفيلسوف المناهض للماركسية الذي يؤمن بأطروحات الأرستوقراطيين المنهزمين ـ ولم يكن جعل الشعب أرستوقراطيا قط في برنامج النبالة، بيد أنه عند عبورنا... بايرويت ( Bayreuth)، التي ستشكل مكانا لنهضة، أصبحت ملتقى للبورجوازية، للأرستوقراطية، للملوك، للصيارفة. إن اليطوبيا ( utopie) الفلسفية للنهضة عبر الدراما الموسيقية ظهرت إلى حيز الوجود بواسطة حفلة اجتماعية راقصة. فر نيتشه هاربا من المكان، فزلج المرض (somatise)، يتملكه الغضب، تاركا فاغنر ـ وشوبنهاور في ذات المناسبة... لن يتوقف الفيلسوف عن انتقاد المثال الزهدي، التشاؤم، ازدراء الحياة، بغض الرغبات، الشهوات، الغرائز الجنسية، الشهوة، الجسد، مثالات الفيلسوف والموسيقي. يشير بارسيفال (Parsifal) أن ريشار فاغنر، كونه شوبنهاوريا، بوذيا جديدا ونباتيا، يعتبر من الآن منتميا إلى أطروحات المسيحية ـ امتلأ الغرال (Le Graal) واستهلك الخصام. فيما بعد، سيكتب نيتشه 'نيتشه ضد فاغنر' بهدف أن يقدم لجمهور [ القراء ] تفاصيل عداوته ـ كتاب أقل نيتشوية بكثير، إذن...
حول علامة الأسد
بناء عليه، فإن لحظة الجمل تشكل لحظة الجثو أمام الأوثان شوبنهاور وفاغنر. كانت [ اللحظة ] تتموضع حول علامة لعنة أولى: لعنة موت الوالد والأخ. وستشكل لحظة الأسد لحظة ابتكار القيم، إلا أنها تنضوي مرة ثانية تحت علامة لعنة:لعنة المرض. وبالتأكيد، فإنه أصيب مبكرا بمرض الزهري ( syphilis) بماخور موجود بـ[ مدينة ] ليبزيغ ( Leipzig)، على الأرجح إبان المرحلة الطلابية. كما كان له ثمة استعداد جيني، مع عم أدخل المشفى لمشاكل ذات صلة بالأمراض النفسية. وقد قاده المشهد المأساوي واحتضار الوالد إلى الابتلاء بذات الأعراض التي أصيب بها والده مادام أنه كان سليما من الناحية العقلية: وبالفعل، لما غاص في الجنون، في يناير 1889، فإن آلام الشقيقة، الغثيان، التهاب العينين، القيء التي [ الآلام ] اكتسحت المراسلات التي اختفت إلى حدود وفاته في غشت 1900 ـ بعبارة أخرى، كان نيتشه يجهل، منذ ما يقرب من عشر سنوات، الأمراض التي ستنخر [ جسمه ] طوال حياته... قضى نيتشه إذن تلك اللحظة من وجوده في المعاناة. فبعد أن استقال من منصبه كأستاذ فقه لغة، باشر حياة من التسكع والتجوال في أوروبا برمتها. وقد بقي اسمه مرتبطا بأمكنة عظيمة وأسطورية: بورتوفينو ( Portofino)، رابالو ( Rapallo)، سلس ـ ماريا ( sils maria)، سورينتي(Sorrente)، أيضا فنيزيا ( Venise). جنوا ( G'nes) فمسينا ( Meine). كان يرغب في التبرؤ من ألمانيا، من الضباب الشمالي، من الميثولوجيا الجرمانية بالإتصال بالشمس، بالنور، بالبحر الأبيض المتوسط ـ لديونيزوس ( Dionysos). اعترف آنذاك بـ'[ قصيدة ] غزلية بطولية' ( idylle hero'que) مع أبيقور وأسهب في الخاصية غير معاصرة ( intempestif) للفيلسوف الإغريقي: يوجد ألف طريقة وطريقة كي يكون المرء أبيقوريا، فكل عصر يسمح بتغير حول هذه الموضوعة. كان نيتشه، حينئذ، يرغب في [ كتاب ] 'المعرفة المرحة'، عنوان كتابه الأكثر أصالة.
تتضمن مقدمة هذا العمل فكرة ثورية تم رفضها على الدوام من قبل الفلسفة المؤسساتية: وبالفعل، فقد كتب نيتشه بأن كل فلسفة هي اعتراف أوطوبيوغرافي لجسد ما. فقد عمل هذا الإثبات على تحطيم قرون من الفلسفة المثالية. يعارض المثالي الجسد والروح. فهو يعطي الأسبقية لتجردية( immaterialite) العقل المزعومة ويحط من قيمة مادية الجسد ( chair). فالفكرة توجد في ذاتها ضمن رؤيته للأشياء، وهي ليست في حاجة للواقع كي توجد، إنها تدرك بفضل تلك الآلة التجردية بسبب واشجة أونطولوجية:وبما أن الروح شأنها في ذلك شأن الفكرة لها نفس التجردية، فبإمكانها أن تتعالق معها. ينكر نيتشه ذلك التقليد الذي ساد من أفلاطون إلى شوبنهاور عبر كانط ( kant) وديكارت ( Descartes) . لذلك، فهو ليس ماديا ثم إنه يعتبر الذرات مع الانفصال ذاته. فقد أدار الظهر للفكرة والمادة، للمثالية والمادية: لاوجود، بالنسبة له، إلا لحقيقة مركزية واحدة مع 'هكذا تكلم زرادشت'. ليست إرادة القوة رغبة في التسلط على الغير، تفسيرا خاطئا كارثيا، بل هي مبدأ الحي في الحياة، لأن إرادة القوة توجد هناك حيثما توجد الحياة.
لقد جعل نيتشه من أبيقور في 'المعرفة المرحة' معلما كبيرا للحكمة الوجودية. فقد كان، مثله، يتفلسف بجسد مريض. إن قراءة رسائل الفيلسوف الألماني تصعق [ القارئ ] لما تحتويه من الآلام العديدة... إلا أنه كان يحب مشاهدة المناظر المتوسطية، إعداد أطعمة بسيطة إلى أقصى درجة، المشي في الريف لساعات طويلة، تأمل، تفكير، قراءة كتب ذات جودة عالية، أقل، لكن بعمق. يعيش متوحدا، لايتطلع سوى إلى شيء واحد: إعادة بناء بستان أبيقور الذي سيكون مثل دير للعقول الحرة. قام بزيارة أمكنة تستطيع استضافة تلك الطائفة من الأصدقاء والتي ستشكل أيضا مدرسة لمربين،مكانا ستبتكر فيه وتعاش إمكانات جديدة للوجود.
آنذاك أخذ كل من بول ريه ( Paul Ree) ولوسالومي (lou Salome) مكان شوبنهاور وفاغنر في قلب الفيلسوف: كتب الأول حول المشاعر الأخلاقية، وتعتبر الثانية شابة روسية مثقفة جميلة عشقها نيتشه إلى درجة الجنون... التمس الفيلسوف من ريه أن يصرح بحبه [ نيتشه ] للو ( Lou) ـ لكن ريه نفسه لم يسلم من الفتنة... مثلما كان يفعل ذلك بانتظام مع النسوة اللواتي كان يصعقه حبهن، اقترح نيتشه على لو زواجا تحت التجربة ـ سرعان ما رفضته. وسيفضي ثالوث هذه الصداقة إلى خلاف، ثم إن بعض رسائل نيتشه ضد لو ما كانت تستحق أن تكتب أبدا.
عرضت تلك القطيعة التوازن النفسي لنيتشه إلى الخطر. فقد تسببت في حدوث اضطرابات جديدة، تكرار لأعراض مألوفة: آلام الشقيقة التي ألزمته الفراش لمدة أسبوع، غثيان لاينتهي، قيء طيلة أيام ثلاثة، أعراض مكتئبة ( depreifs)... تحول ثقافي جديد. أصبح جسم نيتشه الشديد الحساسية متشنجا بـ[ فعل ] الآلام، المرض، زهد في المأكل، الحرمان الجنسي. آنذاك، تناول الكثير من الأدوية لتسكين آلامه: افيون،هيدرات الكلورال... في شهر غشت 1881، ومثل قوس شاماني ( chamanique) متوتر إلى حده الأقصى، ألهم نيتشه بالعود الأبدي ( l eternel retour) في سيلفا بلانا (silvaplana). بالقرب من بحيرة سلس ـ ماريا، ثم إلهام الإنسان الأعلى على الطريق المطل على بورطو فينو...
غالبا ما فهم مفهوم العود الأبدي خطأ إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار ملاحظات، كتابات نشرت بعد وفاة المؤلف تخلى عنها الفيلسوف، وحتى صفحات كاملة من 'إرادة القوة'، كتاب ليس من تأليف نيتشه لكنه [ كتاب ] مزيف اختلقته أخته اللاسامية، الإشتراكية ـ القومية، صديقة موسوليني وهتلر. كي تجعل من أخيها مبشرا بالفاشيات ( fascismes) الأوروبية بشكل عام وبالنازية بشكل خاص، فقد أعادت كتابة نصوص، حذفت كلمات، وأضافت أخرى، حرفت المراسلات التي أعادت تقطيعها بعد أن حذفت الفقرات التي كانت ستحول دون الاستعادة التي تعمل عليها. حوالي عشرين نصا منشورا في هذا [ الكتاب ] المزيف هي، على سبيل التمثيل، لتولستوي...
قرأ نيتشه كثيرا كي يبذل ما في وسعه لتشييد حدسه الفلسفي بشكل علمي. بعض ملاحظاته حول القراءة، منها استشهادات، تم نشرها كما هي في 'إرادة القوة'. فإذا ما تم اعتبار ذلك النثر الكريه أنه من تأليف نيتشه، فبالإمكان أن نجعل منه مفكرا معاديا للسامية، داعية حرب، قوميا، عنيفا، ما قبل فاشستيا ! كذلك، فيما يخص قضية العود الأبدي، قد يتم الاعتقاد خطأ بأنه إعادة للآخر) مثل دولوز( الذي هو، عنذئذ، تكرار لنفس الشيء. إن فكرة أن ما حدث سابقا في المكان بنفس الصيغ وفي التفاصيل وأن هذا الحدث سيقع من جديد ضمن نسخة مطابقة للأصل أدت إلى نتائج فلسفية لقدوم الإنسان الأعلى. لأن هذا الأخير يحدد من يعرف هذه الحقيقة المأساوية من التكرار إلى مطابقة ما هو موجود، لأن من يريدها يعرف أنه يتوجب ابتغاء الإرادة التي ترغب فينا وبشكل أفضل، من يحبها يتوصل، بواسطة هذا القبول، إلى الفرح، إلى الغبطة التي هي نهاية لكل حكمة وجودية حسب زرادشت ـ نيتشه. تعمل تلك التصورات على تغذية تحول ثالث.
حول علامة الطفل
يحمل الجمل أوثانا شوبنهاورية وفاغنارية عتيقة، يبدع الأسد قيما جديدة نيو ـ أبيقورية، سيعرف الطفل صفاء لانظير له: سيلج العالم مع الألق الأونطولوجي الضروري لتشييد فلسفة جديدة. أعطى نيتشه شكلا وجوديا لحدوسه الفلسفية: موت الله، العدمية الأوروبية، العود الأبدي، الإنسان الأعلى، قلب القيم ( transvaluation des valeurs) ـ مما يمكن بناء عالم فلسفي انطلاقا منه، كما يعتقد على الأقل، سيتم وضع حساب أعياد جديد ( comput) يوما ما . مثلما أنه تم التأريخ لقرون انطلاقا من يسوع المسيح، يعلن [ كتاب ] نيتشه 'هذا هو الإنسان' أنه في يوم ما سيحدث الشيء نفسه معه: قبل ف. ن. وبعد ف. ن.
لنحدد بدقة الأفكار الأساسية لنيتشه.
موت الله: لقد مات، يتوجب علينا من الآن فصاعدا أن نفكر ونحيا بدونه أو أي إله شبيه به. عنذئذ نكتفي بالعالم المعلوم ونرفض العوالم الماورائية، فتلك الأوهام التي بها تغذي اليهودية ـ المسيحية أخلاق كراهية الجسد، الرغبات، الغرائز الجنسية، الغرائز، الشهوات، الجنسانية (sexualite)، باختصار: [ كراهية ] الحياة. لاوجود لحياة بعد الموت، إذن لاجهنم ولاجنة.
العدمية الأوروبية: ترافق موت الله بموت المعنى الذي يصدر عنه. يمجد العصر الحالات الصحية الحرجة، الحقد، الوهن الأنطولوجي، الفضائل التي تحقر. يلتذ [ العصر ] بالتشاؤم، بالنزعة التحطيمية (decadentisme)، يمجد الإنهاك، الإعياء. المرض، ينتشي، لايرغب في رؤية الحقيقة، يتورط في مغامرات سياسية للموت. انتصار المتعية ( hedonisme) بفعالية مطلقة، برهان على مرض الحضارة هذا. بما أن الله قد مات فإن كل شيء متساو، كل شيء مباح، كل شيء ممكن ـ وهو ما لايعني أن كل شيء يكون مستحبا.
العود الأبدي: حقيقة أونطولوجية بحسب نيتشه. لاينبغي قراءة الزمن على طريقة المسيحيين الذين يتصورونه مثل سهم له ماض، حاضر، ومستقبل وتعذر تكرار الشيء من جديد. تعتبر مقولات الأمس، اليوم، غدا، [ مقولات ] غير ملائمة من أجل تفكر العالم. ليس الزمن خطيا إنه دائري. ما يحدث في اللحظة التي نتكلم فيها، تغريد عصفور، نباح كلب، العنكبوت التي تنسج بيتها، كل هذا سيتكرر في التفاصيل. سوف لن يوجد عصفور يغرد من جديد، لكن هذا العصفور الذي يغرد قد غرد في السابق وسيغرد باستمرار ذات التغريد. بالنسبة لنيتشه، لن نفلت من هذا التكرار الأبدي منذ ذلك الوقت، فقد أخطأ دولوز ( Deuleuze) الاعتقاد بأنه كان يكفينا أن نريد من أجل أن نصطفي الإرادة وعبرها ما سيتم تكراره. تقترح تلك النزعة النيتشوية ـ اليسارية في وقتها ابتكار درجات تحمل الحياة ذات قابلية لتغيير مجرى الزمن. قراءة يهودية ـ مسيحية تعيد حقن المحكم ـ الحر في أونطولوجيا حتمية تماما...
الإنسان الأعلى: لايمكن إخضاعه إطلاقا لقراءة سوسيولوجية أو سياسية، تفسير في غاية الخطإ... إنه يتعلق بتصور أونطولوجي: تعرف إرادة القوة، الرغبة فيها، محبتها والتمتع بذلك الحب الذي يسميه نيتشه ( l amor fati)، محبة قدره ـ هذا هو ما يقدم تعريفا للإنسان الأعلى، الذي يمكن أن يكون، بطبيعة الحال، امرأة عليا ( surfemme)... يقول الإنسان الأعلى نعم كبيرة للوجود، لكل الحياة، بما أنه لايوجد اختيار آخر.لايقول نعم للخير ولا للشر، نعم للابتهاج ولا للمعاناة، لأنه لايمتلك إمكانية ألا يرغب في الذي يحدث. يتوجب عنذئذ قول نعم للحياة والموت. يعلن الإنسان الأعلى انتماءه للقيم الديونيزية: الحياة، الحب، الجنسانية، الفرح، الضحك، الرقص، الابتهاج، الغناء، الخمر، فضلا عن ذلك، الشراسة، الفظاظة، التوحش الملازم للحياة. إنه لمن الغباء قول لا للذي يفتقد على أن يكون. يصنع القدرالقانون، يرغب الإنسان الأعلى في هذا القانون ويحبه.
قلب القيم: يستدعي موت الله والعدمية الأوروبية التفكير والحياة في العالم بدون إله ـ بدون آلهة. تمجد القيم اليهودية ـ المسيحية الموت: المثال الزهدي، عفة، طهر، اعتدال. تستدعي المسيحية الاقتداء بملك بدون أعضاء تناسلية، يسوع Jesus) (، جثة معذبة، المسيح ( Christ) و [ الاقتداء ] بالنسبة للنساء، بعذراء تلد، مريم. لن يكون بمقدور تلك التعليمات أن تنتج سوى الحرمان وكبح الشهوات. تعتبر أخلاق العبيد الجاحدين للحياة ـ الذين تمكنوا بواسطة اتحادهم من هزيمة الأسياد العشاق للحياة ـ أخلاق انتقام ضد العافية، إيثيقا ( ethique) الحقد ضد كل من يريد الحياة. يفترض قلب القيم الرغبة في الحياة التي ترغب فينا. تقود إرادة الإرادة في المنفذ الأونطولوجي للفرح، للغبطة.
بدقتها وتعقيدها، استوجبت فلسفة الكارثة الحاسمة قارئا قويا ذا بصيرة وفكر متوقد. فليس صدفة أن يضع نيتشه عنوانا فرعيا لكتابه 'هكذا تكلم زرادشت' 'كتاب للجميع ولغير أحد'... 'للجميع' لأنه وجهه إلى كل واحد، على أن 'لغير أحد' لأنه كان يعلم ويتصور ـ وبعد مرور قرن ـ أنه لن يفهم إلا بعد رحيله. وهاهو القرن قد مر، فأصبح هذا الكتاب الموجه للجميع كتابا موجها لقلة قليلة.
وهاهي السنوات المئة تبرز إلى أي مدى أن السجل النيتشوي الشعري. الحكمي ( aphoristique)، الشذري، الغنائي، لايسهل المهمة: ينبغي التوفر على عين فنان من أجل قراءة فكر هذا الفيلسوف ـ الفنان ؛ والحال أن أخته كانت الأسوأعماء . إن إرادة القوة التي سهرت على صناعتها كي تقدم نيتشه ما قبل فاشستيا وما قبل نازيا قد أساءت كثيرا: فقد أنتجت تلك النسخة النازية منافسين لدى النازيين، مثل ألفرد روزينبرغ ( Alfrd Rosenberg)، الماركسيين مثل لوكاش ( Lukacs) ومعاصريه، المناصرين لـ'الفردانية الديموقراطية' مثل آلان رونو ( Alain Renaut)، لوك فريه ( Luc Ferry)، أندريه كونت ( Andre Compte) ـ سبونفيل ( Sponville) وقلة أخرى قاموا بنشر [ كتاب ] 'لماذا نحن لسنا نيتشويين' في سنة 1991.
إن محترفي الفلسفة الذين لايزالون يستشهدون بـ'إرادة القوة' بهدف جلب التأييد لأطروحاتهم اللانتشوية لايغتفر لهم قراءة ' إرادة القوة [ وهو عمل ] غير موجود' [ كتاب ]) لمعان ( لمازيمو مونتيناري( Maimo Montinari). يمنع هذا الكتاب المتفوق منعا كليا أن يتم ربط اسم نيتشه مرة أخرى بفاشيات القرن العشرين. بالتأكيد، بإمكاننا ألا نحب نيتشه، لكن من دون الإلحاح على الأوطروحات النازية لإليزابيث فورستر ـ نيتشه( Elisabeth Forster Nietzsche) ! إن نيتشه أهل لذلك، فهو يستوجب صبرا طويلا ـ شجاعة قديمة. كان يصبو إلى قارئ ذي موهبة وحيدة: موهبة البقر الذي يجتر. فلكي تفهموا نيتشه، كونوا بقرا...
ترجمة: الحسن علاج

عن الأسبوعية الفرنسية ( Le point) يوليوز 2011. عدد: 2028. الصفحات: 58ـ 65












التوقيع - سميرة بورزيق

تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل وعدت إلى تصحيح أول منزل،غزلت لهم غزلا دقيقا فلم أجد لغزلي نساجا فكسرت مغزلي . (الغزالي)

رد مع اقتباس
قديم 09-02-2012, 02:39 PM رقم المشاركة : 5
سميرة بورزيق
أنا

الصورة الرمزية سميرة بورزيق
 





***

اخر مواضيعي
 

***
سميرة بورزيق غير متواجد حالياً

افتراضي

المقال الاخير منقول من القدس












التوقيع - سميرة بورزيق

تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل وعدت إلى تصحيح أول منزل،غزلت لهم غزلا دقيقا فلم أجد لغزلي نساجا فكسرت مغزلي . (الغزالي)

رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 02:07 AM
عدد الزوار اليومي : 815 ، عدد الزوار الأسبوعي : 9.827 ، عدد الزوار الكلي : 4.299.736
Powered by vBulletin® Version 3.6.8
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
©حقوق النشر والملكية الفكرية محفوظة©

 
Developed for 3.6.0 Gold By uaedeserts.com