:: منتديات من المحيط إلى الخليج :: البحث التسجيل التعليمـــات التقويم
 

العودة   :: منتديات من المحيط إلى الخليج :: > المنتديات المنوعة > ركن "ملفات"
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

تعاميم إدارية

آخر 10 مشاركات فوضى خلاقة... (الكاتـب : زياد هواش - )           »          الخالق بين الفلسفة المثالية والفلسفة المادية ! (الكاتـب : محمود شاهين - )           »          لبنان بين سندان العرب ومطرقة إسرائيل... (الكاتـب : زياد هواش - )           »          لبنان بين سندان التعطيل ومطرقة الإرهاب... (الكاتـب : زياد هواش - )           »          هل يتعرض المنتدى لتدمير منهج.. (الكاتـب : زياد هواش - )           »          أعجب العجائب في أمسية اشهار روايتي! (الكاتـب : محمود شاهين - )           »          في قلب الرجل الحزين... (الكاتـب : زياد هواش - )           »          تكريمي من قبل رابطة الكتاب الأردنيين (الكاتـب : محمود شاهين - )           »          الحريري بين سندان المنفى ومطرقة العزل... (الكاتـب : زياد هواش - )           »          كوكب الأرض في طريقه إلى الدمار! (الكاتـب : محمود شاهين - آخر مشاركة : عبد الرحمن مساعد ابو جلال - )

رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 24-12-2011, 05:48 PM رقم المشاركة : 1
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي ملف قصص عبد الغني بنكروم

دون كيشوت دو حدكورت
16-06-2006, 07:44 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=1035


حدكورت مدينة صغيرة يفصلها عن مدينة ’جرف الملح‘ نهر ورغة. تحتفل احتفالا بهيجا ورائعا بعاشوراء لأنه يصادف انتصارنا في بطولة كرة القدم. في حين تعلن جرف الملح الحداد حزنا على مقتل ’علي‘ عميد الفريق. اشتريت بالمناسبة لعبة لولدي عبارة عن مسدس رشاش. أمضيت كل الصباح ألعب به في انتظار ولدي وأمه القادمين من زيارة لصهري. شعرت بالملل وأحسست بضيق شديد لما تأخرا علي وخفت أن ينقلب عيدي حدادا وأقتل بتهمة التواطؤ مع جرف الملح. هرولت إلى الهاتف لما رن فإذا به صهري يخبرني بموت ولدي إثر اصطدام الحافلة بشاحنة أمريكية كانت متجهة إلى القاعدة العسكرية بمدينة القنيطرة. فقدت عقلي للتو وهذه هي قصة جنوني كما حكاها لي اقطيب.
خرجت من المنزل والمسدس اللعبة في يدي وأنا أدعو الناس إلى التأهب والاستنفار. وضعت كيسا بلاستيكيا أسودا على رأسي حتى العنق كان كل مرة يلتصق بشفتي وأنا أفكه وأعود إلى الكلام. ولما رآني اقطيب على هذه الحال والمسدس بيدي، تبعني في حين ابتعد عني كل الناس وأخذوا موقف المتفرج والمشفق. لم يدركني اقطيب حتى كنت أصعد شاحنة البلدية لرمي الأزبال التي تركها السائق وراح يلعب كرة السلة. انتبهت إلى اقطيب وقلت :
- أنا دون كيشوت دو حدكورت! مغامراتي ستكون حقيقية والعدو ليس وهميا. علينا يا اقطيب أن نبدأ بما نستطيع فعله ولا بد أننا سنستطيع فعل شيء. ثم بعدنا، سيحدو حدونا الكثير ونكون بذلك قد أطلقنا الشرارة الأولى لتغيير وجه العالم. اصعد معي ولا تنس أن تضع قناعا واقيا مثلي.
- لكن يا سيدي!
- منذ الآن لا تقل يا سيدي لأن هذا القول يعني أنك عبد والعبد لا يحسن الكر كما قال عنترة. علينا قبل بداية أية معركة تحرير الشعب. أنت حر يا اقطيب. حر و حر وحر. وإذا مت فالتقطني واضرب عدوك بي. أتعرف درويش؟
- أمقت الخطابات السياسية والشعارات. أحب الرويشة.
- حين يغني : ’يا الليييل! أنا والشمعة والليييل. هي دمعة وأنا دمعة‘ أهكذا يكون الأبطال؟
- تصادف جرحا في قلبي وعجزا في همتي فأتأثر بها بالغ التأثر.
- وأنا كذلك حينما أسمع الدكالي يغني:’ في السفح خيمتي، و في ذرى الجبال همتي، لكنني... لكنني... لكنني بينهما مكسر الجناح‘ ينتابني نفس الشعور لكنني... لكنني... لكنني لا أستسلم!
أخذ اقطيب كيسا من شاحنة الأزبال ووضعه على رأسه حتى يلعب مثل حمقي ويقترب مني أكثر. غير أني فاجأته لما بدأت الشاحنة تسير ورأى المفاتيح في يدي تركها السائق المدلل لدى رئيس المجلس البلدي معلقة على المقود. دخان كثيف يصّاعد من الشاحنة وصوت المحرك يصم الآذان وأنا أقول لاقطيب بصوت مرتفع والمسدس في يدي:
- اسمع يا اقطيب! علينا أن نحرر العالم من المخانز. هذا الأمر لا يتطلب سوى الشجاعة والإقدام. قد نعرض أنفسنا للمخاطر فنموت أو نحيى بشرف. وقد لا نعرضها فنموت أو نحيى بذل. والعيش تحت المذلة موت نسميه حياة. أنت لا تفهم في المنطق كثيرا لكنك ستفهم بسهولة أن من يرضى بالذل ميت في كلتا الحالتين و من يخاطر حي في كلتا الحالتين.
فهم اقطيب كلامي بصعوبة وقد بدا غير متأكد مما فهم وهو يبلغني ما سمع. خاصة وأن صوت محرك الشاحنة كان يشوش عليه السمع والقناع البلاستيكي يغلق فمي من حين لآخر. خرجت الشاحنة من حدكورت. أخذت تقترب من غابة الأوكليبتوس لما لاح أمامنا قطيع غنم. توقفت وقلت:
- أنظر يا اقطيب إنهم المخانز!!
- من سيدي؟
- لاتقل سيدي! أنت الآن على موعد مع البطولة أو الشهادة. قل لي أيها الفارس دون كيشوت دو حدكورت. كل الأوهام التي حاربها دون كيشوت دولامانشا سنحاربها نحن بالفعل. أرأيت المخانز هناك؟
- أيها الفارس المغوار إنه قطيع غنم!
قهقهت ساخرا ثم قلت:
- إنهم المخانز يا اقطيب ألا تشاهد وحشيتهم بقناة ’البحيرة‘ الفضائية؟
- كل الإعلاميين كذابون بدون استثناء.
- انتبه! ليس كذبا أنهم يظهرون في شكل أغنام أو خنازير أو كلاب. المهم بالنسبة لهم خداع العدو حتى إذا ما اقترب وهو غير مستعد انقضوا عليه بدون رحمة ولا شفقة كالذئاب الجائعة. أرأيت في الخلف؟ إنه قائد الفيلق.
- أيها الفارس المقدام ذاك محمد ولد الشاوي أعرفه جيدا.
- قلت لك انتبه! حينما تكون أمام المخانز لا تدعي كل المعرفة فإن لهم قدرة على التمويه كبيرة. حتى صديقك يشترونه بالمال! اِلبس القناع الواقي من الغازات السامة ولا تتردد.
وجد اقطيب في الفكرة فرصة سانحة للخروج بالشاحنة من الطريق المعبدة ومحاصرتي على الأراضي الرعوية إلى أن يجد العون للإمساك بي وأخذي للمستشفى.
- نعم أيها الفارس النبيل! لن ترضى نزالا غير نزال قائد مثلك. فاقصد قائد المخانز واتركني مع الغنم.
- إياك أن تسميهم غنما حتى لا تحاربهم كغنم. سأتكفل أنا بالفيلق واذهب أنت إلى القائد غير خائف. لا تحسبنه كطارق بن زياد أو أحمد المنصور الذهبي. إن قائد المخانز ترتعد فرائصه إذا نطت ضفدعة بين قدميه. وإنما قوة الجيش الضاربة تكمن في أسلحة الدمار والأدوات الإلكترونية وكذلك المرتزقة من أمريكا اللاتينية والسود والانتهازيون من الأقليات. لكن تمهل! علينا مباغتة العدو من الخلف. إن المسلمين رغم أنهم كانوا يتمتعون بحماية إلهية انهزموا في معركة ’أحد‘ لما أتاهم العدو من الخلف.
حولت اتجاه الشاحنة عائدا إلى المدينة واقطيب يشجعني ويثمن الفكرة لأن حظوظ القبض علي وسط المدينة أكبر. وبالفعل ما أن اقتربت من المخرج الثاني حتى كان رجال الشرطة في انتظاري بالحواجز. نظرت إلى اقطيب قائلا:
- إن المخانز كثيرو الحيلة والمآمرة. أنظر كيف قطعوا عنا الطريق حتى لا نباغتهم من الخلف.
- أيها الفارس دون كيشوت! إنها الشرطة وعليك أن تسلم نفسك.
- كل شرطة العالم أصبحت في خدمة المخانز. إنها القوة يا اقطيب تولد الجبن في نفوس الضعفاء لكن ليس في نفسي أنا الذي قرأت تاريخ العظماء ورواية سرفانتس.
لم يبق أمامي إلا أن أتوه في دروب المدينة. الطريق الأول أوصلني إلى إدارة الولاية وانتهى هناك. وقفت أمامها وكأني غير متابع بشرطة وأخذت أفسر لاقطيب:
- انظر كم هي ضخمة وعظيمة هذه البناية. لقد كان جدي - بأمر من المستعمر- يحمل أحجار البناء في جلبابه ضمن شباب القرية، وينقلها من ’عين وزيف‘ حتى هنا. كان عملا إجباريا ومجانيا يفرضه المستعمر وتتناوب عليه كل القرى القريبة. حينما يرى الناس البناء الآن يُشِيدون بالاستعمار لأنهم لم يرهقوا بحمل الحجارة تماما كما يقف ملايين السياح أمام الأهرام يتسلون ويرضون ساديتهم بالتفرج على عذاب آلاف المصريين الذين فروا من طاغوت فرعون.
- لو عاد الاستعمار أيها الفارس، سيأتي بالآلات ولن نحمل حجارة! ونحن أيها الفارس لسنا على حال نخشى زواله وقد يأتي الاستعمار بأحسن منه!
- آلاتهم ستصم آذاننا و تقطع أيدينا و تلوث هواءنا. أرجوك لا تسمع كلام الانتهازيين الذين يحبون الاستعمار ويعيشون على القوادة له.
- وهم يحترمون حقوق الإنسان!
- أي نعم! لكنهم لن يعتبروننا إنسانا، لأن الإنسان هو من يدافع عن كرامته بالفطرة. ومن لم يفعل فهو أقل من حيوان.
دهش اقطيب من كلامي حتى كاد يظن أنني عدت إلى صوابي خاصة وأنني كنت أتكلم بدون قناع وأقود الشاحنة بتحكم جيد. لكن ظنه خاب لما توقفت في ملتقى طرق يكتظ بالتلاميذ والأساتذة والموظفين. الشرطة على مقربة منا يتبعوننا من الخلف منتظرين فراغ خزان الشاحنة من البنزين. نبهني اقطيب قائلا:
- الأطفال يا دون كيشوت يجتمعون حولنا.
- نعم الأبطال تعرف صنوها.
- قلت الأطفال أيها الفارس- وليس الأبطال.
- لا أرى إلا أبطالا! الأطفال هم الذين وقعوا اتفاقية جرف الملح واعترفوا بها كدولة مستقلة فتنازلوا بذلك عن حقنا في الكلأ والماء ومزقونا شيعا ومللا.
ثم بدأت أحذر الناس من المخانز وأرمي بأكياس البلاستيك إليهم وأنصحهم قائلا:
- أنا دون كيشوت دو حدكورت فارس التحرر. أيها الأبطال اِلبسوا الأقنعة الواقية من الغازات السامة فإن المخانز ديمقراطيون خطيرون يضربون باليورانيوم المنضب والنابالم والفسفور الأبيض. صواريخهم ودباباتهم مستعدة لنشر الديمقراطية في كل بقاع العالم ونحن مستهدفون أيضا.
كبر الحشد ولبس كل التلاميذ الأقنعة الواقية ووقف الأساتذة والموظفون يتفرجون والتلاميذ يهتفون في مرح وسخرية:
- عاش دون كيشوت دو حدكورت. عاش فارس التحرر.
رغم أن عميد الشرطة صديق حميم لأبي منذ عام الجبهة (1963)حين كانا في خندق واحد ضد الماركسيين ورغم أنهما لازالا يتبادلان المصالح والامتيازات في العقار ومساعدات الدولة والمنح فقد اضطر للأمر باستعمال العنف والقنابل المسيلة للدموع، فأخذت أصيح:
- اِلبسوا أقنعتكم! الديمقراطيون يضربون بالفسفور الأبيض.
أخذوني إلى المستشفى فهربت منه. ألقي علي القبض مرة أخرى. يا لطييييف أدركني وقت العمل!سأحكي لكم ’محاكمتي‘ في قصة أخرى على نفس الموقع إذا عدتم إليه وهي أجمل من هذه صدقوني وعودوا تسمعوني في كامل قواي العقلية بدل هذا الخبل. عدوا من فضلكم! الحكي يشفيني من خبلي وقد يشفيكم من واقعكم.
الشاهد: اقطيب البائع المتجول. كان يبيع عود لقماري صائحا: العوووود...آ العوووووود
لحظة جنوني عاشوراء 10 فبراير 2006






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 05:50 PM رقم المشاركة : 2
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

أمتاع ومؤانسة
11-08-2006, 03:15 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=2875


إمتاع ومؤانسة
الأفكار من الدماغ كالأسنان من الفم قلعها بدون ألم يستوجب مخدرا أو إيديولوجيا. وهذا الشخص الذي تذكرته وأنا بكندا قالع أفكار بالكُلاَّب.
البهجة لقب يطلق على المراكشيين لما عرفوا به من نكتة . هجرتها البهجة بعد أن غازاها السياح وهذا الذي تذكرته إسمه البهجة ولا بهجة فيه أيضا. لا يعرف الناس إن كان عليهم تقديره أو كرهه.لا يتحفظ في إبداء رأيه. يمارس الفلسفة بالفعل وليس بالنظر. كرهته لسنين حينما سمعت أنه تبول على سور يحيط بقبر بن رشد. كأنه تبول على رأسي و لم يكن فيه من الأفكار إلا ما يشبه أفكار ابن رشد. ثم سمعت أنه يود التبول على كل الجرائد والمجلات المغربية وأنا حينها أتجول كالأحمق أبحث عن ناشر لقصصي. شعرت كأنه بال عليها. نجاة تلميذة تستقبل الشباب في الدار بثيابها المنزلية من أجل المراجعة. تدعي أنها لا تفعل معهم شيئا خارج الموضوع حتى حين يكون أبوها غائبا وغالبا ما يغيب. أمها لعوب لا يعول عليها. نجاة تركب السيارات مع الغرباء وحين سمعتِ البهجة يقول أثناء درسه عن التكنولوجيا أن السيارة صنعت لتقريب المسافة وهذا هو الغرض من صنعها لكن مساوئها جاءت من سوء استعمالها. فالسعوديون مثلا يستعملها أبناءهم للهو واللعب وآباءهم ينتظرون بها البنات أمام الثانويات وإذا ركبت معهم من ركبت نكحوها. فتصبح السيارة أداة نقل ونكح. ضحك التلاميذ وصحح الذي حكى لي القصة قائلا: أداة وصل ولهو ونكح.
اغتاظت نجاة واحتجت غاضبة:
- نصف الفصل بنات يا أستاذ. وجب عليك الاحترام!
بهدوء وبدون انفعال رد البهجة قائلا:
- نعم! صحيح ! علي باحترام الفصل ومن أجل ذلك اخرجي و سيري اتْقَوْدي.
تجرأ على مثل هذا القول رغم أن أباها قائد درك ورغم أن مفتش وزارة التعليم يحرم الخروج عن المقرر حتى و لو كان ذلك "بدعة حسنة" كما يقول الفقهاء حين يريدون التملص من الدين أو الدفاع عن قضية خاسرة.
لم أكن أعلم بهذه القصة، ولو كنت أعرفها لاستمالني قليلا. حين دخلت دار الشباب من أجل تجديد مجلس الدار وجدته جالسا مع المدير. قال المدير أن المدعوين لم يحضروا. رغم أني حدست أنهم لن يحضروا وأن بعضهم ربما في المقبرة الآن أو انتقل من المدينة، انتظرتهم حتى أغتنم الفرصة لمجالسة البهجة. قلت في نفسي سأنتقم من ذاك البول الذي سال على رأسي و بلل قصصي. دعوته إلى مقابلة في الشطرنج فلم يرفض.
ما هي إلا نقلات حتى شعرت أن فرسي في خطر. قلبت كل الاحتمالات. حاولت الدفاع عنه لكني لاحظت أن قطعي تشتت على الرقعة في حين تقدم هو نحوي بجدار كالبنيان المرصوص. العادة في اللعبة أن يسقط اللاعب "الشاه" لإعلان الاستسلام قبل نهاية المقابلة. لكني أسقطت الفرس بدل الشاه. نظر إلي متعجبا ومحتقرا:
- كان عليك أن تسقط الشاه!
- هذه طريقة مغربية خاصة لإعلان الهزيمة.
نظر إلي ثم إلى المدير ثم إلى الباب المفتوح متوجسا ثم إلي وأطلق قهقهته المعتادة كرعد هادر حال من اخشوشن صوته بالكحول ثم قال:
- عجيبة هذي !
أصبح يعرفني كما أعرفه وصار يسأل عني وأعجبتني قصته مع نجاة لما سمعت بها. لكني لم أجالسه كثيرا حتى لا أكون في وضع الذهباوي.
الذهباوي أستاذ التربية الإسلامية. كأنه الجهل يمشي على رجلين. لا يفقه في الأدب ولا الاجتماعيات ولا العلوم ولا الفلسفة. حتى ألفية ابن مالك إن حفظ منها بعض الأبيات لا يعرف تطبيقات أغلبها، وأما الموطأ فلا يعرفه إلا في رواية سعيد بن يحيى الليثي من النسخة التي حذف منها كثير من الأحكام والأحاديث حتى جعلوا الموطأ ألعوبة بين أيدي الحكام. ولا غرو! فالذهباوي دمية في يد الباشا أيضا. كان مجرد جهل يمشي على رجلين لكنه حين عاد من السعودية بعد تكوين على الوهابية دام سنتين أصبح له نفوذ في القرى فأهدوه حمارا للتنقل.صار مصيبة
تركب على حمار. ثم قفز كالنسناس إلى السلم 11 وهي أعلى درجة إدارية. الإمام عندنا متزوج بثلاث نساء وله من الأطفال ما يستطيع به تحرير فلسطين إذا أراد ولكنه لا يريد. ثم شغف حبا بأستاذة العلوم الطبيعية. كثرت مشاكله وأتعابه لما أبلغت الأستاذة السلطات بمضايقاته لها. حينئذ أصبح الذهباوي من المؤهلين لخلافة الإمام. وليس مثل جهل الإمام غير جهل الذهباوي. لا أنزعج ولا أقلق حين أرى جاهلا يتبضع أو ذاهبا إلى الحقل أو في ورشة بناء أو كذا. فذاك أمر عادي جدا ودورهم/نا في المجتمع أكثر تشريفا من المثقفين في كثير من الأحيان. لكني حينما كنت أرى الذهباوي متوجها إلى الثانوية والتلاميذ في انتظاره كنت أقرف وكأنها رغبة في الغثيان تنتابني، وخطر محدق بالمغرب كنت أستشعره. لكن البهجة الذي نال من أفكار نيتشه و فوكو و ساتر و عب من الماركسية وما عليها من نقد، والفلاسفة العرب كأنما جالسهم، وله في مجال العلوم ما يغنيه عن بديه السؤال، كان لا يجد غضاضة ولا حرجا في مجالسة الذهباوي بمحلبة المحجاوي. المحجاوي قبل أن يفتح محلبة أخذ إلى المستشفى بعد أن صار يلعن الأعيان بأقذع الألفاظ و يصف المسئولين جهرا في الشارع بالمرتشين ومنعدمي الضمير ويضرب الشرطة بالحجارة. عاد المحجاوي بعد علاج بالصدمات الكهربائية سليما إلا من لحية طالت واستطالت ونظرات تارة تكون حادة كالسهم. كان يسلم على باحترام وأدب وترحاب ومع ذلك ورغم صداقة الطفولة كنت أحسبه يكرهني لأنه كان يحصل على الرتبة الأولى في الفصل واضطر بسبب الفقر وكبر سنه لمغادرة المدرسة. لا بد أن يكرهني وهو يراني على ما كنت فيه أحسن بكثير مما هو عليه. الحقد قنبلة يزرعها الظلم وقد تنفجر أينما اتفق ولو على رأسي ولم أكن بظالم المحجاوي. هناك بمحلبته كان البهجة يجلس مع الذهباوي. يناقش معه مثلا إن كانت اللغة الفرنسية حلالا أم حراما. وإن كانت الأمازيغية صالحة للعبادة أم لا. وبسبب هذه الترهات كنت أتحاشى مجالسة البهجة وأجد فيه أعجب العجب. ففي حين كان يرى الناس احتمال الإلحاد عند البهجة وبالتالي احتمال الضرر منه كان هو على العكس يرى الضرر كل الضرر قادما من جهل الذهباوي فينبري لتثقيفه وفتح آفاق المعرفة أمامه. لكن الذهباوي كان أقل ذكاء من البقر. وكان الناس يستمعون لخطبته يوم الجمعة منهم من يمتعض ومنهم من يصل متأخرا عن قصد، ومنهم من يصلي في منزله. كنت عند ظهر الجمعة أجلس في بعض الأحيان بمقهى السوسي المقابل للمسجد فينفض الناس من حولي عند سماع الآذان للإصغاء إلى خطبته. أبقى وحيدا أرتشف قهوة سوداء وأقول في نفسي وأنا أرى الناس يهرولون وحدانا وزرافات: غنم، غنم... قطيع غنم وحق للاعيشة.
أغلق المحجاوي المقهى بعد أن ندر الزبائن. رحل البهجة بعد أن تزوج. حملت حقائبي إلى كندا بعد أن يئست. نسيت كل شيء إلى حين سمعت بوقوع انفجار في الدار البيضاء. أول ما تذكرت جلسات البهجة مع الذهباوي. أصبت بذعر رغم أن الخبر نقص من هول الكارثة. حين تقول الصحافة أن شخصا مات أحسبهم من عشرة إلى مائة، وحين تقول أن منزلا هدم أحسبه حيا بأكمله أو إثنين. من صدق الصحافة، وثق في موج البحر. لذلك زاد خوفي فكلمت للتو أختي. وقبل أن أنهي السلام الذي أخفى قلقي سألت عما حدث. ردت أختي:
- تبدو سعيدا و مسرورا بما وقع.
- ماذا تقصدين؟ هل كنت من قطيع الذهباوي؟
- لا طبعا! لكن بالنظر إلى صدماتك وجراحك والمظالم التي عانيت منها هنا لا بد وأن تسعد لهذا الانتقام خاصة وأنت في مأمن الآن.
- أختاه! أية تهمة تريدين إلصاقها بي؟
تخيلت أن الشرطة تتصنت على المكالمة وهو أمر محتمل في مثل هذه الحالات فغيرت الموضوع خوفا من أية زلة لسان. سألتها عن اِبنيها سناء ومراد ثم قلت بعد أن مهدت الطريق لذلك:
- أريد أن أكمل نصف ديني.
- ضحكَتْ وكأني قلت عجبا. وهي لم تتمالك بعد من الضحك سألتني بتقطع:
- هل لك النصف الأول حتى تكمله أم أنك تخرط رمضان بالماكدونالد؟
هذه تهمة أخطر والدستور ينص على أن الأسلام هو الدين الرسمي للبلاد. وأبي حاج ويفكر في العمرة. العربي متهم في جميع الحالات حتى يثبت استسلامه. يقولون لك إصعد الشجرة لتقطف التين وحين تصعد يقولون لك إنزل من سمح لك بذلك. ومع ذلك ضحكت كثيرا من عبارة " تخرط رمضان" التي كنا نصف بها الماركسيين في نهاية السبعينيات. كنا نقول فلان"يخرط رمضان" أي أنه ماركسي. تعريف جامع مانع. اِستلقيت على السرير من وهن الضحك وخيط الهاتف يتبعني وشرطة محتملة تتصنت. وقلت في نفسي:
- هاكلي على البوليس الحضاية! الخواف لا تخاف عليه أمه.






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 05:52 PM رقم المشاركة : 3
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

جواهر بنت أسيوط
22-08-2006, 05:42 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=3315



أنا لو جابوا لي الأمريكاني...
وكنوز الدنيا على شاني...
أ قول لو لا!... لا..لا
والله ما أحب غيروه...غيروه حدِّ ثاني...
...غير بس المصري اللسمراااااهاااااني.
هذا ما كانت تغني وهي منهمكة تغسل الأواني. قبلتها على قفاها. قبلة على حين غرة فطارت ذعرا. أخذتها من كتفيها ونظرت إليها بقلب حنون:
- ما رأيكِ في المغربي الأسمرااااني؟
- أحبه أكثر لكن الأغنية بتقول كِذا!
- هيا! اِمسحي يديك. سنذهب إلى السوق. ابنك وليد ينتظر في السيارة.
قطعنا أسيوط من حي الوليدية في الشمال حتى آخر الدنيا في الجنوب لأن بنت أسيوط تحب الشراء من أسواق السلام. توقفْتُ/نا بعزبة ناجي عند محطة شال أزود السيارة بالوقود. وقلت لها:
- خذي الولد معك. سأنتظركما هناك في مقهى الحلمية. لقد بدأ نقل المباراة منذ نصف ساعة.
طلبت قهوة وعيني على شاشة التلفزة. المنتخب المصري سجل هدفين مبكرين على المنتخب المغربي. كنا دائما نقهر مصر حتى في ملعبها قبل أن أتزوج جواهر. لحسن الحظ أنها تأخرت الآن كثيرا فلم تشهد هزيمتنا. لم تأت إلا في نهاية المقابلة والنتيجة تعادل بعد أن سجل المغرب هدفين في الدقائق الأخيرة. جاءني وليد يأمرني بالنهوض. قلت للنادل وأنا أودعه مادحا فريقنا:
- الفريق الجيد هو الذي يلعب تسعين دقيقة بالتمام. لا يحبط في الشوط الأول.
- لكننا انتصرنا لأننا لعبنا جيدا.
- الانتصار هو تسجيل الأهداف وإقصاء الخصم وليس الركض والكلام بدون فائدة. مللت البطولات الوهمية.
قبل أن أصل إلى السيارة ببضع خطوات أخبرتها أن مصر لم تنتزع غير التعادل رغم أنها في ملعبها وفي حاجة ماسة إلى ثلاث نقط. علقت:
- هذه تجارة! يشترون ويبيعون اللاعبين وهم يركضون كخيول الرهان!
- اللاعب فنان يا امرأة ! لاعب أحسن من جندي
- يا رجل! الدفاع عن الوطن واجب.
- عفوا يا جواهر يا بنت لال نهرو. طيب! سنشجع وليد على الانخراط في الجيش دفاعا عن الوطن.
- يااااه!! هُمَّ الصعايدة خلصو يعني؟ وليد سيصبح مهندسا آاادِّ الدنيا! مثل أبيه.
أخذت أفحص المشتريات. أغلبها من صنع أمريكي والجنيه يخرج من جيبي. بدأت أغني ساخرا وأنا أقلب البضائع وأقرأ Made in USA :
أنا لو جابو لي الأمريكاني وكنوز الدنيا على شاني... أقول له: نعم!
ثم أموج يدي بحركات بهلوانية وألعب بخصري ورأسي كأني سأرقص على " وحدة ونص" :
أيْوَا، نعم!... يا حبيبي نعم! ثم إني كمن ينتظر مسايرة إيقاع الدبكة أتجمد كالصنم وأعود للحركة مرددا:
- أيوا، نعم!... يا حبيبي، نعم!
بنت أسيوط تكاد تميز من الغيظ. ولما هدأ غضبها قالت بدلع أنثوي مصري وحركات أسيوطية لطيفة:
- اسمع! ما أنا إلا حريم وأنت اللي رجل. صح ولاَّ لأ؟! افعل كما فعل غاندي وأقاطع البضائع الأمريكية. كل العرب رجال مع زوجاتهم فقط.
- كل المتحررات في أوربا، متحررات من أزواجهن فقط. لكن أمام رب العمل( البوص) - يا عيني ع البوص!- يصبحن خادمات. بعضهن أكثر! يعني لا مؤاخذة...في الليل أيضا. و من كان أبوها بوص تعمل بوصة والرجل قطة.
لم أُذكِّر جواهر بأن أباها مسحراتي. وتلك هي مشكلتها وليس أنا. عندما تناولنا العشاء قامت جواهر لتغسل الأواني وهي تردد مرة أخرى: أنا لو جابوا لي الأمريكاني....
كنت قد خلعت ملابسي ولبست مئزرا من صوف سترت به عورتي. لبست نظارة القراءة الدائرية ووضعتها على أرنبة أنفي. أمام المرآة كنت أجذب أذني الطويلتين قائلا: كم أشبه غاندي لولا هذه السمنة المفرطة. قصدت جواهر وهي لا زالت تغني "أنا لو جابو لي الأمريكاني". ناديتها ويدي على المئزر كي لا يسقط:
- اِسمعي يا بنت أسيوط! ابتداء من الغد سنمتنع عن الجنس و نقاطع البضائع الأمريكية.
- والجنس ليه؟
- صوفية يعني. موضة هذه الأيام!
نظرت إلي شزرا. غطت ظاهر يدها اليسرى براحة اليمنى ووضعتهما على صدرها آسفة ومتعجبة. وما هي إلا ثوان حتى هاجمتني تخلع مئزري، فأخذت أنهرها بصوت واطئ:
- وليد لم ينم بعد يا بنت أسيوط!
لما انتهيت من كتابة هذه القصة وقرأتها مرة أخرى خالجني إحساس بأن المصريات سيعشقنني خاصة وأني بش مهندس آااد الدنيا وأحب المداعبة بعد العشاء. من الرجال من سيفكر في الوحدة العربية بعد قراءة القصة ومنهم من سيفكر في الوحدة الجسدية أي سيجعل من" تيمة الجسد" مركز النص. تفووو على قوم! ومنهم من سيحسبني صعلوكا كذابا. كم يظلمني القراء. رغم أني أتمنى حب نساء العالم كله، سارعت إلى حذف صورتي و عنوان بريدي الإلكتروني من الموقع الذي سأنشر فيه القصة. صراحة لا أريد مشاكل مع زوجتي خاصة أنها تآزرني حينما أطرد من العمل كل مرة. البارحة، شكوتها ذلك الأسود الهايتي قواد ’ليندا‘المديرة الذي باع نفسه لأمريكا أيام أحداث أريستيد حتى حصل على جنسية أمريكية وها هو الآن الأسود القواد ينقل الشاذة والفاذة إلى ليندا ويسيء إلى العرب بحقد. قالت لي:
- عزِّي بلالة(1)... الله يرحم بابا علي(2)!! كم قلت لك سجل نفسك في دكتوراه أخرى واسترح من تعب المعامل والاستغلال.
- نسبة القوادة بين المثقفين أعلا بكثير من نسبتها بين العمال لو كنت تعلمين. لهذا يظهر الأنبياء عادة بين الأميين بأفكارهم البسيطة.
ولما قرأت هي القصة استنكرت أن أنسب لها كلاما عنصريا ضد السود لمجرد أن أحدهم كلب أمريكا وبدون كرامة. واحتجت بلوحاتها التي تشهد على تعاطفها مع قضاياهم. قلت لها لما عجزت عن الجواب وعرفت أن الغضب أفقدني صوابي:
- أنا أقصد بنت أسيوط وليس بنت طنجة الفنانة يا روحي!
ضحكنا و لم أغير شيئا في القصة.

(1)- عبارة دارجة تعني: أسود غبي!
(2)- بابا علي: قائد مغربي تحت حكم الاستعمار الفرنسي قمع السود المغاربة (الحراطين) في الجنوب وأذاقهم أفظع العذاب. كان يرغمهم على السير فوق الشوك حفاة.






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 05:53 PM رقم المشاركة : 4
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

رُفِع القلم
22-09-2006, 06:21 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=4901




**إلى روح الكاتب الكبير محمد شكري الذي علمنا جرأة الكتابة. فمن يعلمنا جرأة الفعل؟

كنت جالسا على جذور غليظة لدوحة أوكالبتوس أنظر إلى الأرض الخضراء والفلاحين البسطاء من ربوة تطل على الحقول الممتدة وعلى صف عريض من أشجار الصبار الكثيفة لما نزل قاسم الزغبي من ظهر الأتان وأسقط كيس الحشائش على الأرض وبدأ ينده: أرررااااي!!! وهو يوجهها نحو شجر الصبار الكثيف.
فهمت أنه سيمارس عليها الجنس. كل البنات ذهبن إلى العمل في المدن تستغلهن الشركات الأجنبية الرابضة في مناطق الاستيطان الحر. وبعضهن يعملن في السياحة كل واحدة لها علاقة مع هذا الفندق أو ذاك يناديها كلما أراد سائح فتاة تؤنسه في ليله. كل البنات هاجرن ولم تبق إلا الأتان تستجيب حاجة الفقير إذا دعاها وما من مستجيب للدعاء غير الأتان.
هممت بالنهوض والاقتراب من قاسم ومراقبته حتى إذا ما ضبطته متلبسا بها فإن العادة أصبحت تقتضي أن يشتري لها هدية بردعة أو كيس شعير أو على الأقل صفائح إذا كان المتلبس فقيرا جدا. ثم نحتفل بالمشروبات والبسكويت وعزف وغناء محلي أنا منشطه في أغلب الأحيان حتى مطلع النهار.
قمت وأنا متأكد أن الأتان ستكون في عرسها هذه الليلة. سألقب قاسم بالحلاج كما لقبت غيره بأسماء المتصوفة الذين كانوا يصطحبون الماعز في خلوتهم يشربون لبنها ولهم فيها مآرب أخرى. تماما كما يفعل قاسم.
لما نهضت بدأت أمسح سروالي من تراب علق به من جذر الدوحة وألْتفِتُ خلفي. فإذا بفرنسية و فرنسي يقفان بالقرب مني وتسألني الأنثى قبل الرجل ومعهم مترجم عراقي:
- هل أنت هو ولد البولانجي؟
- تماما. كيف عرفتم؟
- أنت فنان مشهور بالمنطقة. نريد استجوابك. جريدة لوفيغارو.
تظاهرت بالقبول والفرح كما يفرح المثقفون العرب حينما تلتفت إليهم باريس العاهرة. طلبت منهم الانتظار لحظة إلى أن أعود.
ذهبت إلى اقطيب وأخبرته بالصحافيين وأنا أعلم أنه يكره الفرنسيين لأنهم سلبوا جده كل ما يملك وهاهو الآن بائع متجول لم يرد إليه الاستقلال شيئا بل إن عميلهم هو الذي يتصرف فيها الآن وله شأن وسلطان.
قال لي اقطيب:
اِذهب أنت وسأتبعك بعد أن أصلي. لقد أذن المؤذن.
عدت إلى صحافيي جريدة لوفيغارو فبادرتني المرأة بالسؤال بعد أن نظمَتْ كل شيء. قلت للعراقي أولا:
- كيف بكما رجلين كتفاكما كالجمال وأقدامكما قادرة على هدم قرية بأكملها وتتحكم في رقبتيكما هذه القطة؟ رأيتك لا تقف إلا في المكان الذي أشارت إليه والآخر يحمل الكاميرا ويتبعها كالحمار. أخلى الله خيمة أمهاتكما يا مذلولين. لا خير في رجل تقوده امرأة.
أعادت الصحافية سؤالها عبر مترجمها العراقي:
تقول كلمات أغنيتك:
الخايــبات لاش يليقوا^^ يمشيوا لْبحر يطيحوا. ( لِمَ تصلح القبيحات؟ فليلقين بأنفسهن في البحر)
كيف تريد لهن هذا المصير ومع ذلك يرقصن على إيقاع كمنجتك؟؟
- أنتم دائما تفهمون الأشياء بالمقلوب. حتى في تعاطيكم مع الإسلام تقفون عند ويل للمصلين وتأخذونه من أفواه الدجالين .
- أنا لا أمثل أوربا. أنا صحافية مستقلة فكريا أريد تنوير الرأي العام! ثم إني أحترم الإسلام والمسلمين.
توجهت إلى العراقي قائلا:
- أظن أنها بنت القحبة هذه الصحافية. مراوغة جيدة!
سألته الصحافية عما قلته بالعربية فرد كاذبا:
- يتفق معك. ولستِ مقصودة بكلامه.
أضفت موضحا:
- ألم تسمعي في نفس الأغنية:
ديني يا لْبحر ديـنـي ^^ را حبـيـبي ما بقا بغيـنـي ( خذني أيها البحر خذني فإن حبيبي هجرني).
يعني أن هذا زمن الاهتمام بجمال المرأة وليس بعقلها وماهيتها مما جعلها تفكر في السفر إلى عالم آخر أو الانتحار. لست أنا الذي أقول هذا وإنما هي التي تفكر هكذا ولست وصيا عليها!! ميليكة هي كاتبة الكلمات. حينما يحط القارئ من قدر الكاتب يظنه على خطأ ولا يفكر لحظة في كونه هو الذي لم يفهم لغبائه أو لعدم اكتراثه. هذا هو القارئ المتجبر الذي يمزق النص إربا إربا. أي أنتم حين تقرؤوننا، والنخبة حين تنصت لصوت الشعب. هل عندكم هذا في نظريات التلقي؟؟ القارئ المتجبر؟؟ نحن بسطاء وأفكارنا بسيطة وتركناكم مع نيتشه تقلمون أظافره وتغطونه بلبوس الحداثة الزائفة.
عرفت الصحافية أنها أخطأت الهدف وأن العراقي المترجم قوادها لا يعلم أني حاصل على دبلوم الدراسات العليا فلسفة لكن الزمن الرديء أحالني إلى البطالة لما أغلقت المدارس الثانوية والجامعات أبوابها أمام الفلسفة لتشجيع الدراسات الإسلامية في مواجهة تبدل الهوية وزحف الماركسية. تبحث صحافتهم عادة عن أميين يرسمون بهم صورة المغاربة في أذهان باريس. إنهم أولاد القحبة ومعهم القوادون من المثقفين!! سأسبهم حتى وإن منع نشر هذه القصة. تفوووو عليكم يا أولاد القحبة. تفوووو!! لا أريد النشر في دوركم. ولا تترجمون لي كما ترجمتم لمحمد شكري.
لم يبق لها مجال لتسألني وقد كان هدفها هو إظهار كم نحتقر المرأة. وغير بعيد عنا ظهر اقطيب مهرولا وحاملا عصا غليظة ثم بدأ يصيح بفرنسية رديئة جدا:
- انتظروا يا أولاد القحبة إني قادم إليكم! ماذا أتى بكم إلى أرض المسلمين تلطخونها. يا كفار! يا أبناء الاستعمار انتظروا قليلا لأجعل ظهوركم أملس من بطونكم.
فر الفرنسيان وبقي العراقي ينظر إلي وكأنه غير معني بالأمر ظنا منه أن اقطيب سيتفهم الوضع والظروف لكن اقطيب رفع عصاه وهم أن يضربه على رأسه لولا أن تدخلت وقبضت على يده ثم استعملت الخطاب الديني الذي يذوب اقطيب ويهدئه كلما جن جنونه. ويهيجه كلما ماتت فيه الحمية.
- العفو عند المقدرة يا اقطيب!!
هرب الفرنسيان نحو أشجار الصبار. هناك كان قاسم يراود الأتان عن نفسها. تمتنع الأتان عن الجماع خارج فترة التزاوج كدأب كل الثدييات. لكن قاسم الهائج بحرارة الجنس وضعها بين جذعين بعد جهد جهيد حتى إذا أرادت الحركة مَنَعَها شوك الصبار. بحث عن صخرة رفعته إلى مستوى الفرج. لكن المسكين بعد كل هذا التعب والوقت الضائع، لم يكد يبسمل حتى سمع الصحافية الفرنسية تقول للمصور:
- أنظر! أنظر! سألتقط هذه الصورة! سنبيعها ب 10.000 يورو!!
صرخ المصور فيها:
- اهربي بجلدك أيتها المغفلة! إن الأمر جد. أما رأيت أمر الصور المسيئة للرسول؟؟
قلت للعراقي أن الغذاء سيكون في منزلي بحضور قاسم الزغبي واقطيب. طلبت منه أن يبحث عن الصحفيين موضحا أن ليس بيننا وبينهم وتر وإنما سوء تفاهم حضاري. الغباء لا ينقص الجهتين والذكاء كذلك وهو نادر وأندر في جهة من الأخرى.
طبخت لهم كسكسا مغربيا بسبع خضر وشايا معطرا بنعناع ’’الحبارة‘‘ الجيد. قلت لأمي:
- اتركي أختي تطهو الكسكس لكي تراعي ذوق الفرنسيين. أنت تكثرين التوابل والفلفل. وترمين الخضر فوقه دون تنميق. قبلت أمي قائلة : نعم يا ولدي! أختك بنت العصر.
كم نراعي ذوقهم ولا يراعون. قال اقطيب:
- أنت ساذج يا ولد البولانجي! كيف منحوك الدبلوم؟ لقد كنت تحفظ الدروس عن ظهر قلب دون أن تفهم شيئا وتتقيأ كل ما أملوا عليك يوم الامتحان. ما قرأتم غير الخلا والذرا. هزلت! هزلت!
حكى لي قاسم عن الأتان وكيف أتاها بصعوبة وتساءل:
- هل سينشرون صورتي في الجريدة؟
- طبعا! أأنت رسول حتى تقوم القيامة حول ذلك؟ لو كنت ذكيا ما نظرت إلى الخلف حتى لا يظهر وجهك في الصورة. أنت دائما تخطئ يا قاسم... دائما تخطئ. هذا ليس بزمن الأخطاء.
أبلغ جرح هو أن تُخَطِّئ المظلوم، تتهمه بالتخاذل وتشيد بوجاهة فعل الظالم. كالسهم يصيب القلب مباشرة. مما جعل قاسم يفقد احترامه لي ويقول بانفعال زائد:
- لماذا لا ينشرون صورة المرأة الفرنسية اليائسة التي ملت نفاق الرجال الفرنسيين وعزوفهم عن الزواج نائمة على ظهرها تشد نهديها اليتيمين الذابلين وكلبها يلعق فرجها الممطط من كثرة الزوار والأحجام المختلفة والإجهاض.
قاطعته قائلا لأكفر عن زلتي:
- والحذاء لا زال على رجلها تضعه على سرير مخملي ولا تخشى توسيخه! بذخ يستفيد منه كلب!!
- هذه صورة أحسن!!
اِنتبه إلينا الفرنسيان وكأنهما عرفا أننا نهزأ منهما. نبهنا العراقي إلى كرم الضيافة العربي وأخلاق الإسلام الحميدة التي لا تسمح بكل هذه الوقاحة. قلت في نفسي وهل تسمح بكل هذه القوادة ؟ توجهت إلى قاسم مرة أخرى:
- اِسمع! إذا كنت تريد أن تهجر بلاد الذل إلى فرنسا فخير لك أن تصمت ودعهم يفعلون. إذا وجدت أوربا تتعرى على قارعة الطريق فاخلع ملابسك. انظر إلى العراقي كيف فهم الدرس وإلا لبقي في العراق وفجرت رأسه قنبلة. لقد دعوت هذين الصحفيين لأيسر لك طريق الهجرة. فلا تجهضه بمثل هذا الكلام.
اغتاظ اقطيب من كلامي لما فهم مرامي وانكساري ولما رأى أني أتخلى تدريجيا عن مبادئي طمعا في لقمة عيش بفرنسا فهب غاضبا. تذرع بعذر واه. قال وهو ينصرف:
- هذا الكسكس كالزفت بدون توابل. مروي بالماء والزغاريد. أهكذا يكون الطبخ المغربي؟؟
وقبل أن يصفق الباب خلفه أضاف:
- يا غرابا أراد تقليد مشي الحمام فنسي مشيته!
تبعته محاولا رده ومبررا سلوكي:
- اسمع يا اقطيب! لا تفهمني خطأ! أردت أن أجبر خاطره بعد أن جرحته. كنت أنصحه حتى يحقق حلمه في الهجرة. إنه يحلم بفرنسا كما تحلم عاشقة بحبيبها الذي ذهب إلى الحرب. أما أنا فمعك هنا إلى الأبد رغم بلادة إسلامك العجيب الذي تعلمته في سوق الدلالة.
رفع عصاه وهم أن يضربني على رأسي ولما انحنيت مذعورا ضربني على ظهري ضربة بين الجد والمزاح. وأضاف قائلا:
- رفع عنك القلم يا معتوه!






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 05:56 PM رقم المشاركة : 5
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

إمتاع ومؤانسة -11-
02-10-2006, 02:02 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=5513


إشارة: الأسماء والشخصيات الواردة في المؤانسة غير واقعية. أغلب الأحداث من نسج الخيال انطلاقا من ملاحظاتي ومن أمكنة عشت فيها.

أسْوَأ سنواتي الدراسية قضيتها حين التحقت أول مرة بمدينة فاس. كان علي أن أسكن مع أخي الأكبر رغما عني. دكتاتور الأسرة، مجسم صغير للدكتاتوريات السائدة في ذلك الوقت وهذا الوقت. لا يسير أمر إلا بإذنه وما وقع في غفلته حرام حتى وإن كان جيدا. كل اقتراح عليه يعتبره خاطئا حتى يعدله هو فيصبح مِلْكا له، وليس في التعديل من جديد سوى " اتْلاوي". الدكتاتور كفء و ذو قدرة، مثقف وصاحب تجربة. لا يتنفس إلا باستعمالها ضد الضعفاء. ولا يحيط به غير أرباب القلم أولاد الحرام من المثقفين. وأرباب السيف الدمويين من الشعب. أما الأنبياء فضعفاء يستمدون قُوَّتهم من مجموع المغلوبين. كان هذا تقديري للأمور ولم أكن أعرف نظرية نيتشه عن العبودية ولا دوركايم في توصيفه للانتحار ولا بورديو في حديثه عن وظيفة العلامة والرمز في قبول الهيمنة أو رفضها. كنت أنتظر وَحْيا. كان ينزل علي شعرا للأسف. أرسله للبنات... والسلام. من وقَعَتْ في فخه أجد صعوبة كبيرة في تقبيلها. تحرسني كل عيون المدينة وعيون أخي الأكبر ممثل الله في أرضه. قتلني الكبت يا لطيف.
لو اقتصر الأمر على هذا لهان الخطب. المصيبة هي أن زميلي في الأشغال التطبيقية لم أختره، وإنما فرضه علي وصولي المتأخر وعدم معرفتي للطلبة. عبد الواحد المناضل. مصيبة كَحْلة زحلة لا فكاك منها. بارع في الشتم وقلة الأدب ومستعد للمخارية والبونية ( الشجار والملاكمة). همجي... والسلام.
كان بن دحمون ثالثـنا في مادة الفيزيولوجيا. طالب نجيب يحصل على ميزة حسن كل سنة. لذلك يفرض دكتاتوريته. الدكتاتورية رديف الكفاءة. لكن لسوء حظه كانت كل عمليات التشريح التي سنقوم بها تلك السنة سبق لي أن قمت بها بالمعهد الفلاحي قبل أن ألتحق بالجامعة. لم يكن له حظ معي.
عبد الواحد حارسه الأمين. نقطة التقييم على التشريح والتقرير مشتركة بيننا. لذلك كان عبد الواحد يخاف أن يغضب بن دحمون فيبدله بآخر. يقول له هات المقص، فينط مسرعا. يأمره:اقبض عنق الأرنب! فيدور حول الطاولة، ويتلوى ويتمدد ويستعمل كلتا يديه معطيا للأمر أهمية قصوى. المشكلة هي عندما كنت أتدخل حين يخطئ بن دحمون. يخجل ويخاف على فقدان الزعامة، فيتدخل عبد الواحد بسرعة الدوبرمان قائلا: " اسْكُت يا صاحْبي خلِّينا نْخدمو!"... كأن شد عنق الأرنب مثلا عمل! أو إمساك رِجلَيْ ضفدعة مهمة علمية ثمينة. خدَّام...والسلام. شبهت عبد الواحد بالطبال الشعبي الذي لما ماتت المطربة فيروز قال أسفا على الفنانين: الموت لا يحصد غيرنا هذه الأيام.
مما زاد الطين بلة أن عبد الواحد كان وحيدا في تطبيقات مادة أخرى: علم الوراثة. ضمَّني الأستاذ إليه قسرا حتى نُكَوِّن ثنائيا مثل كل الطلبة فلا نشغل طاولتين. الطامة الكبرى هي حين التحق بنا ثالث تشاجر مع زميله فتفارقا. " إخواني" لحيته ممتدة حتى الصدر. هاك الفراجة بالصح. طاح الحُكُّ فوجد غطاءه. ههههههههها. لم أكتب التقارير إلا في اللحظات الأخيرة بدون مُعين. كان جل وقتي يضيع في عقد الصلح بينهما.
لم يكن لدي خيار غير تطبيع العلاقة وإلا ضيعنا العمل وسحقني بن دحمون وتدرب وحده على التشريح مسيطرا ومتجبرا بمساعدة زميله. لكن قبل ذلك بدأت أسْخَر من عبد الواحد. سميته الكارد كورgarde-corps . رغم أنها مهنة مقبولة اجتماعيا وتدر على صاحبها أموالا كثيرة، و لا يقوم بها إلا شجاع مقتدر ومدرب جيدا، فإن عبد الواحد كان يضيق بها درعا. كالقحبة تفتح لك رجليها وتكره أن تنعتها بمهنتها. بعض المهن قدر المغلوبين ليس لهم منها هروب تفاديا للموت. كالعسكري "دوزيام كلاس" مثلا، يهرب من الموت نحو الموت في جبهة حددها غيره وحرب أشعلها مُسْتَعْـبِدُه. العالم يضحك ويشجع ويغني النصر كأنها كرة القدم. أولاد الكلاب. لكنهم إنما يؤجلون الموت طمعا في الحياة ولا يصلونها حتى يفنون عْلى خاطَرْهُم يا اوليدي. جيفة... والسلام. كأن هذه الأرض لا تتسع للجميع.
المناضل عبد الواحد خطير خارج المختبر. يصبح ذكيا. في حلقات النقاش بالساحة الجامعية يكون دوره هو توسيع الحلقة، والصراخ فينا: التزموا النظام أيها الرفاق. ويأمر الأماميين بالجلوس. قد يحصل له شرف توزيع نقط نظام على المتدخلين. هل كان نيتشه على صواب؟ مييييمتي يا ميييمتي الحبيبة. من يدلني على الصواب؟ غالبا ما أتمنى أن يكون ما أعتبره الحقيقة خاطئا لأعيش على وهم الانتصار.
لقد كان عبد الواحد ينظمنا ويرتبنا ويوضح لنا ما انغلق. قلت عنه ذكيا لأنه يصبح أحسن حتى من بن دحمون - ابن المدينة والقديم في الجامعة- في التأقلم مع الواقع الطلابي. بل أكثر من هذا، كان بن دحمون يعيش من نصف المنحة الدراسية في حين كان عبد الواحد يعيش من المنحة كاملة ومن مدخول الجريدة التي يكتب لها. أجر شهر يكاد يصل قيمة المنحة لثلاثة أشهر. ذكي جدا أكثر منا. يستعمل الرموز، ولْـقوالب ولْمعاني، ولسان الحيوانات، فتفرح الجريدة بذلك ما دام الأمر فيه لُبس والجريدة إذن غير مقصودة ما دامت هي المحتضنة! والقراء كل بقدر بلادته يؤولون ويحللون ولا يصلون إلا إلى ما يريدون. يعني لا شيء... والسلام. الخاوي في العامر كما نقول في مراوغات كرة القدم. هاي! هاي! على الجرائد. تبكي عليك أمك ولن تبكي أمُّهم عليهم. قاريين يا احبيبي.
مدينة فاس جذابة جدا. أحسن من الرباط بكثير. كنت أمشي على قدمي من ظهر المهراز حتى باب بوجلود دون أن أشعر بالتعب ولا الملل. كأني أبدأ شوطا آخر وآخذ نفسا جديدا حين أتجاوز المدينة الجديدة وأنتقل إلى "الرصيف" و"البطحاء" ثم بوجلود. أحلم بلقاء سلوى صدفة حين علِمْت أنها جاءت إلى فاس قصد التدريب على العمل مع شركات التأمين. المصيبة الكَحْلة هي أنني كنت غالبا ما أجد عبد الواحد يصعد الشارع وينزل لاهثا خلف البنات. حين يراني يلصق علي كالجلاخة ليخفي وقاحته أمام الذين يعرفونه. تكون المصيبة أكبر إذا كان سكرانا. لا يفهم لا بالتي هي أحسن ولا بالتي هي أسوأ. أضطر أن أقول له: وا خلِّيني نتْسارا يا مسخوط الوالدين، ها عار سيدي ربي! غالبا ما آخذه إلى مقهى ليرتاح ثم يعود لمطاردة البنات. سألته مرة ونحن في طريقنا إلى المقهى:
- لنفترض أننا أنجزنا التغيير (الثورة يعني). ترى! ماذا سيكون دورك في التنمية وأنت تبحث عن المتانة في صدر الأرنب!
رفع يده يهُمُّ بالضرب. انتظر حتى هيأت الدفاع معترضا بذراعي فنزل علي بيده قائلا:
- الهرماكة يا ولد النيفر، الهرماكة لقرانك. العصا لمن عصا.
وبالفعل منصبه الآن منصب هرماكة ( العصا) حتى دون إنجاز التغيير/الثورة. أما بن دحمون الطالب النجيب، فقد أرسلوه معلما بنواحي مدينة طنطان حيث الخلاء والقفار. هاك بوك يا الدكتاتور. تمَسْكن الآن أمام باب الوزارة وابحث عمن يتدخل لك للانتقال إلى فاس.
مرة لصق علي عبد الواحد كالجلاخة بعد أن رحلت إلى الحي الجامعي. أخذته إلى غرفتي. لم أكن أعرف أنه يريد تدخين الحشيش ويبحث عن مقر. غالبا ما يلصق عليك جلاخة إذا كنت تكتري غرفة في حي الليدو أو عوينة الحجاج ليأتي لاحقا بعاهرة إلى بيتك. يستحيل ذلك في الحي الجامعي. فأخذته معي عن حسن نية.
لما بدأ بفسخ التبغ لتهييء جوان الحشيش قلت له: اخرج إلى الشرفة حتى لا تُبَوِّقني معك. أخبرته أنني ذاهب إلى المكتبة لكي يعود إلى البيت لأن البرد كان قارسا جدا في الشرفة.
في طريقي ذهبت إلى غرفة عبد المولى. صديق أثق فيه ليحرس عبد الواحد أثناء غيابي. قلت له: تريد نَتْرات من الحشيش؟ اِذهب إلى غرفتي، وحكيت له بعجالة عن عبد الواحد.
فرح عبد المولى وقد كان بدون نقود. سيدخن الحشيش " حَمُّو" بتعبيرهم أي مجانا.
لو رأيتم عبد المولى بمدينة القصر الكبير لما عرفتموه على حقيقته! يربي اللحية ولا يرفع عينيه إلى النساء، ويحترم أوقات الصلاة. وإن دخن الحشيش فَتَحْتَ سبعة وسبعين قدم من السرية. وبمجرد ما يريد المغادرة إلى فاس يعطيه أبوه 500 درهم مكافأة على حسن سلوكه. مبلغ باهض بالنسبة لنا. لكن المسخوط يشتري الويسكي وكارتوشة من السجائر كونتر بوند (مهربين). أول ما يفعل حين يصل إلى فاس يحلق لحيته. لولا تحصيله الدراسي الجيد لدهسه أبوه بالسيارة لأن الأخبار تطير وأصحاب الحسنات ممن يبلغون كثيرون. كان أبوه لا يصدق أحدا، تُطَمْئِنُه النتائج الدراسية الحسنة لولده.
عدت من المكتبة وقد قرأت فيها الجريدة التي يكتب لها عبد الواحد. قرأتها " ابْهِي" (يعني مجانا) بلغة من يستكثر درهما واحدا على قراءة جريدة. وجدته سعيدا جدا مع عبد المولى. لا يمكنك إلا أن تأنس لعبد المولى. يعزف كل النغمات. فنان في الكلام... والسلام. سألت عبد الواحد:
- من تقصد ب" الأيادي الخفية" في مقالك.
مسطولا ومنشرحا ردا ضاحكا:
- هو رئيس حزبنا ولد القحبة. هههههههها. يعطيني ألف درهم في الشهر فقط.
- ذلك كثير! ألف درهم لبضع مقالات فقط. كلها ألغاز!
- أنا من يحرر نصوصا أخرى واضحة بإسم الصحفي الذي يحميني في إدارة الجريدة.
- هاي، هاي ! الجرائد يا احبيبي! اللي في راس الجمل في راس الجمالة! هل قرأت تلك القصيدة بالملحق الثقافي التي قال فيها صاحبها:
قتلت الذئب والشجرة
لكن النملة دهستني
في شهر تشرين تقع حوادث كثيرة
كأن يلج الليل في النهار
ويأكل الفار القطة
ضحك مجلجلا كصوت الرعد ثم قال:
- هذاك خراي هذاك الكاتب.
لما ذهب عبد الواحد قلت لعبد المولى:
- كيف وجدته ؟
ضحك ضحكا مكتوما كعادته كأنه يخاف من الضحك أو كأنه يتخيل أن أباه الدكتاتور حاضر معنا.
- وافَـقَني جدا! البعرة تبحث عن أختها سبع وسبعين عام في البحر!
ثم قهقه بعد أن تحرر من شبح أبيه وأن احتقر نفسه بنفس القدر الذي احتقر به عبد الواحد.
أعرف أن أقنعة عبد المولى يستعملها للدفاع عن نفسه وبدون خبث مثل خبث عبد الواحد. كل إنسان يعيش في مجتمعات القهر بأقنعة. كوميديا هزلية يومية. والجزار يذبح حالما سقط القناع. قلت له:
- ها كِّيلي على اشلاهبية الشتَّـامة! يحسبونني طفلا.






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 05:57 PM رقم المشاركة : 6
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

إمتاع ومؤانسة -12-
18-11-2006, 09:20 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=7840


.
.
يجفف التين ثم يثقب من وسطه ليُزلَّك(ليُشَكَّ) عِقْـدا في شريط من دوم. نسميه في المغرب" زلاك كرموس". لو وضعته على عنقك لتدلى حتى الركبتين. هكذا أتصور "زلاك العُقَـد" التي في نفسي وفي نفس كل إنسان بالنظر إلى أشكال القمع والقهر التي "تُزَلِّـكُ" العقد منذ الطفولة بدءً من المعلم إلى القائد إلى...أعلى مُعِقِّد. لست أدري إن كان فرويد يعرفها كلها أم أنه لم يتعرف إلا على"القوطي" منها( نوع من التين).
هذه المرة يا أصحابي سنتكلم بدون عقد. معناه أننا سنعتبرها حالة طبيعية جدا. لكني سأتحدث بصوت منخفض حذرا من أولاد السكْويلة ( المدرسة). رغم أننا طردناهم أكثر من مرة يعودون دائما لأنهم كالدوبرمان. وإني لأعلي الدوبرمان عليهم درجة لأنه يسمع سيده ولا يسمعون.
اقتربوا. سألتموني عن أرباب العمل في أمريكا. لو أردتم جوابي مختصرا لقلت: أولاد القحاب صافيين. يحكمونك بالمناجمانت (Management) وعلم تسيير الموارد البشرية. ما سموهم أرباب العمل حتى كان كل واحد منهم رب في معمله. إنه لرب حقيقي ودعنا من الديمقراطية والكلام الفارغ. الرب الذي في القلوب غفور رحيم. انظر، ترى بعض اليهود يقتلون ويذبحون النساء والأطفال ولا ينتقم منهم ربهم. وانظر، ترى بعض المسلمين مرتشين، ويظلمون النساء واليتامى، ويغدرون بعضهم البعض ولم يفنيهم بعد. وانظر، ترى بعض المسيحيين مصيبة كحلة لم تنته قط، ومع ذلك فإن ربهم الذي في قلوبهم وهبهم سيدهم بوش يصول ويجول. انظر، ترى أشياء كثيرة من هذا القبيل. لكن هذا الذي فوق لا يهمل ولا يمهل. ليس أسهل عنده من الطرد. اِشطح أو انزع القطاية كما يقول رجال الصوفية الذين يَسِمُون أنفسهم ب"قطاية" ( ضفيرة شعر على رأس محلوق).
هذا المعمل الذي أعمل فيه ربه يهودي. مهما بلغ ذكاء العامل لن يصل عشر ذكائه. تسييره لنا ليس بموهبة من الله وإنما اقراية( علما). يساعده ياباني أصفر، صغير البنية، لو بِعْـته في السوق ما اشتروه منك بدرهم. لكنه في المعمل يطير من جناح إلى جناح كالبلاء الأسود. مكتبه في الطابق الثاني مع الإدارة بينما نحن تحت. يلبس قميصا أبيض كأنه يغطسه كل صباح في جافيل bleach. لا يلبس مثله غير الرب الذي فوق. يذكرني بياضه بعباءات أصحاب النفط عندنا. المدرسة تُخْرِجُك من الفقر وتقربك من الأرباب. العلم نفط أيضا.
انقسمنا داخل المعمل إلى قُطْعان مختلفة: المسلمون وأنا ضمنهم، الهندوس، المسيحيون من أمريكا اللاتينية، والسود( لهم إسلام ومسيحية). لم يكن معنا أي يهودي طبعا لأن الرب هنا يهودي ولا يريد استغلالهم ربما. انضم كردي عراقي إلينا ( قطيع المسلمين) لكني لم أعرف دينه لحد الآن. يبتسم دائما ويسلم ولا يستقر في مكان واحد حتى لا يحسب عليه. كشاة ضلت عن قطيعها فلا سكتت من ثغاء ولا عرفت طريقها الصحيح. حتى في حافلة نقل العمال كان يجلس في الأماكن التي فيها مقعد واحد حتى لا يدمن مسيحيا أو مسلما أو هندوسيا. يبدو لي أنه مندائي أو صابئي أو تلك الديانات التي لا يعرفها غير أولاد المدرسة.
ضل اليهودي حريصا على تفريقنا هكذا، لأن وحدتنا وبالا عليه وخطرا. رغم أننا ندرك هذا، فإننا لم نستطع التوحد لأنه أذكى منا ولد الحرام. عفريت. كان مسلم باكستاني يقود قطيعنا ويحرضه ضد الآخرين. الرب اليهودي يرى ذلك في مصلحة معمله فيشجعه.
حينما ينزل الرب من فوق يسود صمت بمجرد ما نرى رجليه على السلالم. كنا نطلق صيحات الإشعار للتنبيه بكلمة سر عبارة عن جملة مختلفة كل مرة. لأن تكرار نفس الجملة قد يثير شكوك الرب. نصرخ مثلا:
- اطلق! سخووووون! أو: الرجا غالبة ( الرجاء البيضاوي)..أو دور بها يا الشباني، دور بها...إلخ . لكني لاحظت أن الرب بمجرد ما ينزل من فوق يتوجه مباشرة إلى حيث هناك من يتكلم أو من لا ينتبه لعمله. هل هو سميع عليم ؟ انتبهت جيدا فإذا بالمعمل محاط بكاميرات صغيرة، فوق كل آلة اثنتين. فرق كبير بينه وبين الحمام العمومي حيث يصرخون: اطلق اسخوووون. لم يكن الرب ينزل من فوق إلا حينما يرى الخطيئة على شاشة الحاسوب.
- نصحني العمال عند التحاقي بهم: حين يدخل البوص، عليك أن تدفع الكرسي تحت الطاولة حتى لا يتهمك بالجلوس. ولا تحك مؤخرتك من الخلف علامة على النهوض، ولا رأسك علامة على النوم والكسل...إلخ" . اكتشفت فيما بعد أن كثيرا منهم يعلمون بوجود الكاميرات ولا يتكلمون خوفا من الطرد بعد أن تمت مناقشة ذلك يوم وَضْعِها فراح ضحيتها المعارضون. إذن عليك أن تتخيل أن الرب يراقبك من فوق فلا تنفع معه نصائح العمال ولا أ اطلَـقْ اسخوووون!
حينما ندخل لمستودع الملابس نجد مكتوبا على الباب ما معناه بالعربية: " احرصوا على إغلاق خزاناتكم بالأقفال. لا نضمن الأشياء المسروقة". يعني أنهم لم يضعوا كاميرات في المستودع احتراما لعوراتنا حين نغير الملابس. إنها حقوق الإنسان في هذا الزمن. يحيينا الرب النازل بابتسامات عذبة. بل يُحيِّي الكردي بإشارة من يده كأنه يواسيه على مصاب العراق. فرق كبير بينه وبين أرباب العمل بالمغرب الوقحين، المتعجرفين. يشتمون ويترفعون بل ويعاقبون عقوبات حيوانية تصل حد الضرب. كنت عاملا في ورشة خياطة بالمغرب. تقدم العمال بمطلب فإذا بالنقابة، دون استشارتنا، جعلتهم إثنا عشر. سُئل عبد الرحمان إن كان يعرف الفقه فرد أنه يعرف الزيادة فيه فقط. كذلك فعلت النقابة. وهكذا دخلت في مفاوضات مراطونية. بعد أخذ ورد، ومسرح وسينما اتفقوا في النهاية على حد أدنى من المطالب: إعطاء قطعة قماش لكل عامل يفصلها وزرة ويخيطها بنفسه. تحقق مطلب الوزرة الذي لم يطالب به أحد بينما ظل مطلبنا معلقا مع الحد الأقصى. أعلنت النقابة انتصارها في الجرائد. لكني كنت أسخر من ذلك القواد الذي يفاوض. سميته السيد سبارديلاَّ ( حذاء رياضة) على وزن "مانديلا". جعله الرب الإسباني شافا علينا( رئيسا). أردت التبول فقال الشاف أن الرب فوق، لا يريد لأحد أن يذهب إلى المرحاض. طلبت مرة أخرى فكان الرفض. ليس مع الرب الذي فوق حيلة. وقفت على الكرسي وما أن هممت بفتح زر السروال لأبول على ماكينة الخياطة حتى طار الخبر إلى الرب فوق. السلامة يا سيدي. نزل إلينا يهرول عبر السلم. بدأ يصيح وهو يراني أتبول على الماكنة: يا كلاب ! يا كلاب!...
أمريكا بلد ديمقراطي. بلد الحرية والقانون وليس فيه مثل هذا التعسف لولا المفسدون الذين لا يتركون شيئا صالحا. تصوروا أننا نظل طيلة الأسبوع تحت حكم رب المعمل. ثماني ساعات للعمل أو أكثر، ثلاث ساعات للتنقل ذهابا وإيابا، وثماني ساعات للنوم والباقي للاستعداد وطهي الأكل. لا يبقى لنا من الديمقراطية إلا يوم السبت والأحد.ولا نستفيد إلا من يوم الأحد بعد قضاء أغراضنا يوم السبت. ننتظره بفارغ الصبر. لكن الأوباش من العمال يفسدون كل شيء. لا يعرفون التعامل مع الديمقراطية. ولا يفهمون معنى الحرية. يذهبون إلى الحانات ويسكرون حتى يفقدون السيطرة على أنفسهم. يضربون الراقصات على المؤخرات ويشدونهن من نهودهن وذلك ممنوع. يتلفظون بشتائم تنم عن عُقَدٍ ورغبة في الانتقام. يكسرون قنينة الخمر ويهددون بها من يعترض سبيلهم. الشرطة لا تجد مشاكل إلا معهم. يتبولون على الجدران فيسيل البول حتى يُكوِّن على الطريق بركة صغيرة عطنة. يرسمون علامة النازية مهددين الديمقراطية وهم لا يعلمون أن هتلر لو كان حيا لقتلهم جميعا بدون رحمة لأنه لا يحب الخمر والفساد والزنى. لم أصاحبهم قط ولا رغبة لي في أن أكون وبشا ( يعني سلكوط). ستقولون أن الذئب لا يحكي غير ما جرى له وإلا كيف وصفتُ هذا. تخطئون في حقي كما يخطئ أولاد المدرسة حين يقولون: الرؤية مع، من خلف، من الداخل، من الخارج...إلخ. صدقوني يا أصحابي إنني أكذب على البنات في الشات وليس عليكم. وحق للا عيشة القرنية. أستفيد من يوم الديمقراطية الوحيد في الأسبوع وأستغله بدون شغب ولا إلحاق ضرر بالآخرين. حين أستيقظ في الصباح متأخرا، أتناول فطوري وأبدأ في الشات على الإنترنيت قبل الحَمَّام حتى لا أضطر لإعادة الاغتسال. أختار شقراء كما كنت أتخيلها وأنا مراهق في المغرب. أقول لها أنني مهندس في النووي( ناري يا حبوبة ديالي! تعرفين أنني أكذب عليهم وليس عليك؟). تمطرني بالرسائل وقد أعجبها " النووي". لا تستطيع حتى التأكد مما إذا كنت أكذب أم لا، لأنها لا تعرف ماذا يعني بالضبط. مرة قالت لي شقراء قبقوبية Québécoise بعد أن سحرتها بالكلام المعسول وأوهمتها بأحلى لمس وقُبَل:
- لقد بللت ثباني يا عفريت. إنني غاضبة.
- لم أعتذر لأني عرفت أن ذلك أعجبها ولأنها فعلت في مثل الشيء. استلقيت على ظهري فوق السرير. بعد أن أحسست برعشة لذيذة، عدت إلى وعيي وتخيلت أنها مقعدة أو مفرطة السمنة لأني لم أر منها غير الوجه على الويبكام. تمددت. تأوحت* قائلا:
- آآآآآآححح! هاكِّيلي على الديمقراطية شحال حلوة. خسارة! لا نستفيد إلا من يوم واحد في الأسبوع.
..................................
* تأوح: قال آآآآآآحححح!






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 05:58 PM رقم المشاركة : 7
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

إمتاع ومؤانسة-14- أدب ساخر.
29-01-2007, 04:01 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=10669


[size=18:131fd857d7]كل الأسماء والشخصيات والأحداث متخيلة.
اقتربوا أيها السلاكيط المساخيط. هذه القصة واقعية وحق للاعيشة القرنية. سأضيف إليها بعض التوابل لإمتاعكم وسأحذف بعض المقاطع التي تشبه حياتي الشخصية حتى لا يختلط عليكم الأمر. إذا اكتشفتم شيئا من الخيال أنزلوا أيديكم بقوة على ظهري وقولوا: اضربوا الحاكي الكذاب.
لم أحك لكم قط عن رشيد فيما أظن. إنه مسخوط الوالدين لم أر مثله في حياتي. وسيم ومرح مثلي تماما لكنه كأن الذي فطره وضع عقله في ذكره. يا لطيف! لا تكاد تظهر امرأة فيها "اللعبة" -فيروس الرغبة الجنسية- حتى يشمها ويتعرف عليها حالا. يقول بتعبيره: فيها الفأرة تُدَرْدِك.
لست أدري كيف أقول بطريقة لبقة ماذا كنا نسميه. أولاد الجامعة المهذبون يسمون هذا النوع من الرجال دون خوان أو كازانوفا. أنتم لا تعرفون دون خوان ولا زعطوط. سميناه بكل بساطة: " رشيد الحُوَّاي". قلة الحياء حينما تكون بالفصحى أو الفرنسية تسمى حداثة، وحين يكون الذكر مدلى في تمثال يبحثون عن رقم ذهبي في رجل فيتروف* أو فنا راقيا في الإله أبولو*. لكن حين تكون الخشونة عندنا يسمومننا سلاكيط ( أوباش). كلهم أولاد الحرام من الطرف حتى الطرف. رشيد لم يكن مثل دون خوان لأنه يضاجع نساء في سن جدته إذا ضاق به الحال، والأتان إذا ندر الضرع، بل حتى قطتهم – حسب اعترافه - يتحرش بها كلما دخلت فراشه.
اسكت يا ولد القحبة! أنا أحكي عن رشيد وليس عن نفسي...تفووووا يا لطيف!
في ليلة سمر بالمقهى طلبت من رشيد أن يحكي لي عن إحدى غرائبه فلم يتردد. يعجبه سرد مغامراته خاصة إذا كان سكرانا. يفضح نفسه وغيره. قال:
" الحاج القزوي، هل تعرفه؟ قلت لا رغم أنه لم يكن ينتظر جوابي. استمر: لو رأيته في طريقه من المنزل إلى المسجد أو من المنزل إلى عمله كل خميس، لما خامرك شك في أنه ذو وقار وفي كونه من الأعيان الذين يستقبلون عامل الإقليم ويسلمون عليه في المناسبات وحفلات التدشين الوطنية. ثم إنه زيادة على ذلك حاج وقام بالعمرة أكثر من مرة. حبيبة هي زوجته الرابعة. أصغر منه بأكثر من عشرين سنة. كنت عشيقها قبل أن تتزوجه وبعد أن تزوجته. جميلة لكنها حامية مسخوطة الوالدين. نراه متأبطا سجادته في طريقه إلى المسجد تاركا خلفه أربع نساء. سميناه ناكح الأربع ههههها. قالت لي حبيبة أنه كان ينجذب إليها أكثر ويُشَرْعِن ذلك بقوله: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم".
لما علم ناكح الأربع بعلاقة حبيبة معي ضرب زوجته الأولى لأنها تسترت على ما تفعله حبيبة، شتم زوجتيه الثانية والثالثة متهما إياهما بالتآمر ضده. هددهما بالطلاق قائلا: وحق الله العلي العظيم، إذا ما حشمتم (حشمتما) حتى تكون رسالة الطلاق عند رؤوسكم (كما) غدا صباحا. هاك يا مالي! تتفقو ضدي!!؟؟
قهقه رشيد ثم استرسل:
ضحكت منه حبيبة لما قالت لي أن الحاج حين واجهها كأنما شلت ذراعاه ولم يقو على ضربها فاكتفى بالقول:
- مالك !؟... مالك !؟ ياك كل شي ليك.
ضحكتُ ملء في. انتظر رشيد حتى كففت عن الضحك لكني كنت أعود للقهقهة كلما تصورت الحاج القزوي - الذي كان يعاقب الناس أيام الاستعمار بجر الضحية خلف حصان يركض- ذليلا أمام جمال حبيبة. يقمعني رشيد قائلا: اسكت يا صاحبي، خَلِّيني أكمل لك. لم أكن أريد مزيدا لأني أعرف أن رشيد إذا ضحكت له يتحول حكيه إلى كذب مفضوح ليضحكك أكثر. أصر على الحكي فاسترسل:
أصبح ناكح الأربع يردد دائما أن النساء ناقصات عقل ودين. له ثروة كبيرة كوَّنها حين كان قوادا للمستعمر الفرنسي. حبيبة لم تنجب ولدا بينما كان له خمس بنات من الأولى، بنتين من الثانية وذكر وبنتين من الثالثة. خاب ظنه في حبيبة التي لم تمنحه عاصبا آخر لكنه أحب الصغر فيها والجمال. فركوسة وحق الله. لم يستطع تطليقها رغم أنها ليست سوى بنت بقال. الحب صعيب.
كان الذكر الوحيد في الأسرة مكرما مذللا لأنه العاصب العتيد ضد كل وارث محتمل، غير أن حبيبة تتضايق منه لأنه سيظفر بقسمتين دون مبرر ( في نظرها) ولأنه يزيد في صعوبة اتصالها بي. كنت أخاف منه وحق الله! دست له السم في الطعام فمات. هذا اعترافها لي. بينما قال الناس: انتحر لما افتضح أمر علاقته الجنسية مع زوجة أبيه حبيبة.
لم أعد أعرف من يقول الحق وحق الله. أ حبيبة أم الناس؟ مات العاصب ذو القسمتين، اكتشفت حبيبة أن إخوة زوجها لما أصبح لهم نصيب في الإرث يكيدون لها. تمكنوا من تطليقها بحمل زوجها عليها. لو أنها استمرت في إرضاع العاصب ( ههههههها) ما وقع لها ما وقع.
أمام القاضي قالت حبيبة مطالبة بالمتعة: أنا شابة وجميلة وهو شايب عايب، كم قدرت المتعة يا سعادة القاضي؟
لما سمعت بما قدر لها القاضي شرعت في تمزيق ملابسها وخلعت سروالها أمام الحضور.
أمام هذه النهاية المأساوية، ضحك رشيد كعادته بقهقهة مخنوقة تكاد تنفجر سعالا كمن بصدره سل. انتظرته حتى رفع رأسه من على الطاولة وهو يترنح ويقول: الله! يا ربي على ضحكة، ثم قلت له:
- يا مسخوط ! احك لي عن قصة تكون فيها أنت الضحية!
قهقهة مرة أخرى وأكد علي:
- أتريد فعلا قصة أخرى؟؟
طلبت منه أن لا يحكي لي عن قصته مع خولة لأني أعرفها ويعرفها الحافي والمنتعل بمدينة سطات مسقط رأسي. هام بها حبا ولم تكن تبادله نفس الشعور. رغم أنه من المصلين في المسجد ( على عيون الحساد كما يقول) اشتهر بعبارته التي لست أدري من أي شاعر سرقها: من رأى منكم خولة ولم يسجد مات كافرا.
طلب قهوة أخرى وهو يعلم أنني من سيدفع الثمن. تردد ثم قال: السخطة ريح يا صاحبي! حينما كنت في سن العاشرة تقريبا، خرجت بعد الظهر لأجمع زهيرات الكبار غير المتفتحة. كنا نبيع كأسا بخمس ريالات لوسطاء شركة صنع الدواء. اتصل بي كهل وأعطاني كأسا مملوءا لكنه طلب مني ممارسة الجنس علي. لم أفهم ماذا يعني ذلك بالضبط. كانت الحرارة مفرطة، وشوك الكبار يدمي يدي فطمعت في الكأس وقبلت الصفقة. ولد الحرام فعلها وانصرف.
اسكت يا ولد القحبة. أنا أحكي عن رشيد وليس عن نفسي... تفووووا يا لطيف!
قهقه رشيد مرة أخرى كأنه يحكي عن شيء عادي جدا. تعجبت كيف لم يتعقد من هذا الحدث ولا يكتمه. لو كنت مكانه لما قلت لأحد. انضم إلينا شخص ثالث يحمل خبر نعي الفقيه " سي عبيدة". كان سي عبيدة ضريرا ومن أجود حفظة القرآن. يخبرك عن الساعة كأنه ينظر إلى ساعة في يده. خفيف الظل، حاضر البديهة وصاحب نكتة. يحفظ قصائد طه حسين عن ظهر قلب ( يا أم ما شكل السماء وما الضياء وما القمر) ويغني لنا من أغاني سيد مكاوي( الليلة الكبيرة). كان يحلم بالأزهر لكن أمنيته لم تتحقق. محظوظ من ركب معه في سفر. لن يشعر بتعبه. مات وحيدا تحت شجرة جلس عندها ليستريح من تعب الطريق. لم يكتشفوا موته إلا في اليوم الموالي. كم من الناس نحبهم يموتون في عزلة، ومن الأوغاد تقام لهم جنائز باذخة لا يستحقونها. تأسفنا على وفاته. لما غادر النذير ظهر على وجه رشيد حزن شديد ثم قال:
- أتمنى موتة مثل سي عبيدة. سئمت الحياة وحق الله!.
صادف دعاؤه الآذان. تعني هذه المصادفة في مفهوم العامة استجابة من الله. صرخ كمن عاوده الفرح وهو يشير إلى مصدر الأذان: لقد استجاب! قلت مستهزئا به:
- ها كيلي على كازانوفا المسلم! قم لتصلي - الله يمسخك- إنني أنتظرك هنا.

* أسطورة رجل فيتروف للرسام ليوناردو دافنشي:
http://henrikaufman.typepad.com/le_d...s/images/n.png

* أسطورة الإله أبولو في الثقافة الأوربية: http://www.arikah.net/commons/en/6/6...ouvre_left.jpg
.
.
.[/size:131fd857d7]






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 05:59 PM رقم المشاركة : 8
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

ضحك يشبه البكاء
25-02-2007, 05:44 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=11532


1. سريالية:

رأيت علبة سجائر مارلبورو في حقيبتها اليدوية لما كانت تريد أداء ثمن تذكرة السفر. ترتدي حجابا غطى كل رأسها وتدلى فوق كتفيها. حين نظرَتْ إلي لاحظْتُ تلك البراعة في طلاء مكياج خفيف جدا يكاد لا يرى، أتم ما نقص فيها وأخفى ما شان من ملامح وجهها. ترتدي سروال دجين ضيق عزل خصرها حتى ليكاد الملحد أن يقول : سبحان الله.
تعجبت أن بادرتني بالكلام ولم يكن يبدو عليَّ حالة من تبادرهم الجميلات بالكلام. في وقت قليل انتقلََتْ إلى موضوع الحرب بعد أن رأت تلعثمي وانعدام الرغبة لي في التعرف عليها. تحاشيت الخوض في النقاش مكتفيا بالاستماع إليها وهي تمجد الكاتيوشا لأني أتشنج بسرعة وألوح بيدي كمن يريد أن يصفع، وأرفع صوتي وذلك قد يثير انتباه المسافرين. لما رأت من ابتسامي المحايد طلبَتْ رأيي. نظرت إليها مبتسما وقلت :
- أرى فص دماغك الأيمن مارلبورو وفصه الآخر كاتيوشا. أرى نصفك الأعلى “قناة إقرأ” ونصفه الأسفل “قناة ميلودي”.
ضحكَتْ حتى قهقهت. سكتت ثم قهقهت. وكان ما خشيت منه من إثارة انتباه المسافرين فتسللتُ إلى الحافلة رغم الحرارة التي كانت فيها. التحقت بي قبيل انطلاق الحافلة وقالت:
- ذكرتني بالسالفادور دالي.
قلت:
- ما وصفتُ غير ما رأيت



2. تلاوة:

جلست بمقهى محطة القطار مع ابن أختي. بيني وبينه حياء ويكِنُّ لي احتراما كبيرا لدرجة أنه يتظاهر بعدم قراءة مؤانساتي لما فيها من كلام تحت الحزام. وضع أمامه خبزة حرشة وكأس حليب بينما كنت أشرب قهوة سوداء. في ركن المقهى كانت التلفزة معلقة والرئيس يلقي خطابه الحماسي. سمعته يقول: من ليس مع المقاومة فهو ليس منا! هكذا ألغى حرية الرأي أسوة بحبيبه وغريمه الرئيس بوشعيب الذي قال إما معنا أو مع الإرهاب. ابن أختي لا يكترث. بدويان قربي لا يكترثان. بينما أنا أجتر خيبة الإقصاء وإهانة الانتماء القسري، إذ قاطَعتِ الرئيس فتاة شابة ظهر منها الكتفان عاريان، ولصق سروال ادجين المطاط على فخذيها حتى فاضت المؤخرة من الجانبين. نسمي المؤخرة في المغرب: “تلاوة” أو ” نص”، لست أدري لماذا ولست مقتنعا بتفسير رولان بارث.
شرعت الفتاة في تلاوة خطاب حماسي بين يدي الرئيس. دون ارتباك وبصوت جهور ونطق سليم، تحث على الجهاد في تناغم جيد مع خطاب الرئيس. تذكرت مصطفى الذي دخن جوان حشيش طويل ليقرأ كلمة ترحيب بالسيد الوالي. رغم أن الجوان طوييييل، والكلمة مجرد ترحيب، والضيف ليس أكثر من والي فإن مصطفى بدأ يرتجف. سألني لما انتهى: كيف جيتك؟
عدت من سهوي لما سمعت البدوي قربي يقهقه وكأن الكلام ليس على الحرب ثم قال لصديقه بصوت مسموع:
- ولايني تلاوة! (يا لها من تلاوة!)
كدت أشاطره الرأي لولا أن ابن أختي ضحك حتى رش ما كان في فمه على الحرشة وقميصه وعلى حليبه وقهوتي. عرفت حينئذ أي تلاوة يقصد البدوي!






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 06:01 PM رقم المشاركة : 9
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

إمتاع ومؤانسة -15-
06-03-2007, 05:50 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=11803


[size=18:38cc1b11d2]إمتاع ومؤانسة – 15-

منذ طفولتي عرفت علاقة السلطة بالسمطة. السمطة عندنا هي نوع من الأسماك لا علاقة له بالموضوع سوى أنه يشبه الحزام، ونطلقها كذلك على الحزام الجلدي الذي ينتهي بإبزيم من معدن. يستعملها الأب لضرب زوجته وأبناءه ويستعملها الدركي - قبل الكهرباء- للاستنطاق في أمور بسيطة مثل سرقة الدجاج. مع فارق أن الأب يمسكها من جهة الإبزيم بينما يمسكها الدركي من الجهة الأخرى. علاقة السلطة بالسمطة وطيدة لا نقاش فيها إلا ما يدخله أولاد المدرسة في الاعتبار. أولاد الحرام دوخوني. لكن الذي لم أتوصل إليه هو علاقة السلطة بالجنون. سؤال قديم حركه داخلي " ادجو" أي "جوزيف".
رحلت إلى مدينة صغيرة في شمال كندا. مغطاة بالثلج لا ترى فيها غير الأشجار البيضاء والخلاء الشاسع. لا تسمع غير نباح الكلاب في الليل والصباح. لما التحقت عاملا بالمطعم وجدت على رأس المطبخ " ادجو" شافا. رجل خمسيني بدت عليه أمارات الشيخوخة من تجاعيد وغور العينين وشيب. سكنت في المنزل السفلي بينما كان هو يسكن فوق. المنزلين لرب المطعم يتصلان فيما بينهما من الداخل مما جعلني أعيش مع " ادجو" في نفس المنزل خاصة ونحن نستعمل مطبخا واحدا. هذه تفاصيل حقيقية وليست من خيال المؤانسات. وحق للا عيشة القرنية ما أكذب.
فاجأني " ادجو" لما رأيته يعمل في المطعم. ينط كالأرنب ويجري من المطبخ إلى الغرفة الباردة باحثا عن كذا أو كذا. لا تقهره برودة الغرفة ولا يخاف الانزلاق على الأرض التي يبللها الثلج عند دخول أجانب من الباب الخلفي المخصص لنا. إنه كنزق بين خيوط النسيج. كل ليلة حين ننتهي من العمل، أذهب إلى المطبخ لإعداد عشائي بينما هو يكتفي ب" بيتزا" يحضرها في المطعم خصيصا له فيكثر فيها الفلفل. يبدأ بشرب البيرة ( الجعة) كأحسن ما يفتتح به الليلة. يشاهد التلفزة ويصيح بين الفينة والأخرى: فاك يو!...شييييت! .. لا يتمتع إلا بتلك البرامج الغريبة التي يأكل فيها المتسابقون الدود، ويقومون بأفعال يتقزز منها الإنسان. أمريكا بلاد المجانين الطبيعيين. يسخر مني "ادجو" قائلا: أنا أشرب الخمر وأنكح النساء. لست كالمسلمين الذين يحرمون كل شيء. ثم يقهقه. يجدنا بلداء.
كنت في المطبخ أسير بإمرته هو المحنك صاحب الخبرة والتجربة. نزوعه إلى السلطة كان واضحا. لما عرفت في أول يوم أنه فنان تشكيلي من خلال لوحاته المعلقة بالغرفة استبشرت خيرا لأني تصورته وديعا ذا إحساس مرهف ويحمل هما إنسانيا كما لقنني الأساتذة الممسوخون في المدرسة. لا يحتفظ التاريخ إلا بما في مزبلته وهو ما نطلع عليه في المدارس. وجدت "ادجو" محبا للسلطة. يتقرب من أبناء رب المطعم في محاولة لكسب ودهم وبالتالي كسب ود أمهم. عطف زوجة البوص يضمن الاستقرار في العمل. قاعدة لا تخطئ إلا نادرا. لكن تودده يظهر مصطنعا يخفي حقيقته التي يظهرها معي: صلب، آمر، ناهي!!
حكى لي عن لوحاته باعتزاز وكيف أنه يرفض عروضا تجارية لأنه يرسم لنفسه. تذكرت صديقي الكذاب الذي قال لي أن فريق الرجاء البيضاوي عرض عليه اللعب في صفوفه فرفض. يقولون أن الفنان التشكيلي يحمل كذبه بين يديه. لكن هذا الذي إسمه "ادجو" ربما ليس فنانا حقيقيا ما دام كثير الكدح وأمارات حب السلطة بادية عليه. تأملت لوحاته جيدا. كلها تمثل الضحية. أسد هصور يطارد غزالا، أو نسر يحمل أرنبا أو وردة بين أسلاك شائكة...إلخ. لو كنت لا أعرف " ادجو" لقلت أنه هو الضحية لكن والحال أنني تحت إمرته كنت أقرأ اللوحات من هذا المعطى: أنا الضحية.
طبائع الناس عجيبة والحكم عليها أعجب. كان دجو يهاتف خليلته. يحكي عنها بعشق وإعجاب. يقول لي: " لأول مرة أرتاح مع امرأة". تخيلتها امرأة محترمة. لكني فوجئت حين علمت أن عشيقته تشرب الخمر وتدخن، فتعجبت كيف يرتاح معها. لا تدخن وتشرب الخمر في المغرب إلا قحبة، فكيف بهذه تجلب له السعادة؟ "ادجو" في نظري مجنون لذلك هو فنان تشكيلي. قال لي أن جريدة أخذت له صورة مع أبناء عشيقته لأنهم نحتوا أكبر تمثال ثلجي. نط كالقط وأحضر الصور. سألته عن أب الأبناء قال إنهم بدون آباء.. كل واحد وُلد من رجل لا يعرفه. كدت أقهقه لكني تمالكت نفسي احتراما له. لم يكن محرجا وهو يقول هذا بينما أنا تخيلتها قحبة تنام مع كل عابر. إما " ادجو" مجنون أو أنا متخلف عن الركب الحضاري الكندي. لست مجنونا طبعا وها أنتم ترونني أحدثكم في كامل قواي العقلية. الأرجح أنني متخلف. ها العار!َ قولوا متخلفا عقليا وليس مجنونا. المرأة هنا تجر خلفها ابنين أو ثلاث قد لا يعرف أحد منهم أباه. أمر عادي جدا ولا عيب فيه بل هو عين الحرية والتقدم. الدولة تتكلف بالمصاريف لذلك تجد النساء كالنعامات يضعن البيض في نفس العش."ادجو" يعتبر عشيقته امرأة محترمة وفخور بها بل يحبها بشغف. قلت في نفسي: ربما بالوضوح أحسن من تحت سبعين قدم. نااااري! ... لا أقصدك يا حبيبتي وحق للا عيشة. الكلام عن الجنس يسبيني واقرئي فرويد يعطيك الخبر اليقين. كان بإمكاني أن لا أفعل حتى لا يباغتني أحد في لاوعيي لكنه يسبيني. هو وعيي. تذكري حين كنت يتيمة بدار الخيرية والقواويد بسياراتهم ينتظرون خروجكن على مرأى ومسمع كل المسلمين. أليس الجنس ما يدوخ غيري؟
طلب مني " دجو" أن أساعده يوم الأحد رغم أنه يوم عطلتي الأسبوعية. طلبُ مساعدة لكنه بصيغة الإكراه: ساعدني، أساعدك! كان علينا أن ننظف الفرن وآلات القلي وغيرها. "ادجو" مجنون فعلا! يشتغل كالنملة رغم كبر سنه. أعطاني سائلا لإذابة الأوساخ العالقة بالفرن. قرأت مكوناته فعرفت أنه سام. رفضت. فإذا به يصرخ ويرغي زبدة من فمه ويتهمني بالكذب على رب العمل لأني في نظره بدون خبرة في المطاعم وادعيت العكس. رش السائل فإذا بالسعال يأخذه. أدرك أنني على صواب وقد كان يظن أن السائل غير مؤذ مثل الأنواع الأخرى التي استعملها. رب العمل لا يهمه إلا فرنه نظيفا ولتحترق كل الرئات.
كنت أعد فطوري لما كان ادجو يراجع حساباته. فكرت أنه جس نبضي بالصراخ وسيتعـلمها عادة سيئة. هربت من الخشونة وقلة العفة في المغرب فإذا بي أجدها عنده. قاطعته قائلا:
- دجو! ...لا تصرخ في وجهي مرة أخرى!
- من فضلك لدي أشغال يجب أن أنهيها قبل الذهاب إلى العمل.
- إذا صرخت في وجهي سأقتلك يا دجو! أتفهم؟ إنك لا تعرف المغاربة جيدا.
- سأفعل ذلك قبلك. احترس جيدا.
لما نزل ادجو السلم وأخذ يلبس حذائه الثلجي الطويل ناديته في هدوء كما في الأفلام تماما. صدقوا أو لا تصدقوا. قلت له بدم بارد:
- ادجوا !
رد بنعم كأنه ينتظر جديدا ! لكني فاجأته:
- لقد أنذرتك! ستجد نفسك ميتا مغطى بالثلج ككلب ضال!
انصرف " ادجو" وقد ارتعدت فرائصه. أخذت أنظر إلى لوحاته الجميلة. كل ضحاياه هي هو، هي أنا، هي كل ناظر مثلنا قاب قوس من الموت تحت الثلج. ماذا لو أنهم لم يرفضوا طلب هتلر تسجيله بمعهد الفنون الجميلة، هل كانت النازية ستقوم أم لا؟ ترى! أين ذهبت لوحات هتلر؟ كم بي من الشوق أن أقارنها مع لوحات " ادجو"! لا تحتفظ جدران كندا إلا بما رسم معتوه أو ضعيف. تلك التي لا معنى لها. سيموت دجو كالكلب الضال مغطى بالثلج ولن يحتفل أحد بلوحاته.
صراحة لست قادرا على قتل ضفدعة، وأعرف أن أغلب المغاربة خَرَّاية من الخوف. لكني -لإرهاب ادجو- تظاهرت بشجاعة الخنفوري ذاك الذي قتل دركيين، وذكرته بانتسابي لضالعين في الإرهاب الدولي.
جمعت حقائبي استعدادا للرحيل بعد أن طلب مني رب المطعم ذلك تفاديا لأية كارثة. حاسبت ادجو الأسد الهصور. لما اكتشف أن فاتورة الهاتف فاقت 200 دولار صار يحيض ويبيض. ارتعدت فرائصه وأخذ يصرخ: شيييت... ! فاك يو....! تساءلت متعجبا:
- ما الذي أخافك وأنا من أدى الثمن لأنها مكالماتي!
- يا رجل الهاتف مسجل بإسمي ! سيتساءلون لماذا كنت أتصل بالمغرب ولماذا هذا المبلغ الباهظ؟!
- من سيتساءل؟
- الشرطة!
خمنت أن دجو يعاني من إحساس متقدم بالاضطهاد لكني سرعان ما أحسست بنفس الخوف. أردت أن أقول له: كم أشبهك يا ادجو! انصرفت وأنا أهمهم:
- ها كيلي، وها كيلي وها كيلي! رسام معقد أراد أن يخيفني! [/size:38cc1b11d2]
.
.
.






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 06:02 PM رقم المشاركة : 10
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

جسر إلي
22-04-2007, 03:42 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=13624


.
.
.
[size=18:65e786fce4]
1- سأل ابن رشد حمارا:
- لماذا لا تنقص من أذنيك و لا تكف عن التمرغ في التراب وعن شم بول الأتان...
رد قائلا:
- لا أريد أن أفقد هويتي
قال بيدبا الفيلسوف لدبشليم الملك: هذا مَثـَلُ قوم عصبيين داخوا في أثر الهوية.
2- سأل محمد عبده كلبا:
- لماذا أنت مهان من طرف سيدك؟ يضربك ولا تجرأ حتى على النبح!
رد الكلب:
- مالي و مبارزة الذئاب في الغاب.
قال بيدبا الفيلسوف لدبشليم الملك: هذا مَثـَلُ قوم نَخْب يحتمون بقوم.
3- سأل ابن خلدون سلحفاة:
- لماذا لا يهدأ لك بال حتى تخوضين ماء البركة وتسبحين في مائها العكر؟
ردت:
- كي لا يراني أحد و يرميني بالحجارة.
قال بيدبا الفيلسوف لدبشليم الملك: هذا مَثـَلُ قوم يختبئون بالخوض في الماء العكر.
4- سأل قراد قرده:
- أنت ذكي وماكر لكنك لم تفكر في ستر عورتك والذود عن حماك في الغابة.
رد القرد:
- هل ينفع الذكاء مع عورة لا تستر والذود عن الحمى في غابة لا ترحم.
قال بيدبا الفيلسوف لدبشليم الملك: هذا مَثـَلُ قوم يتشيطنون ومآمراتهم مفضوحة.
5- صرخت طاولة بغضب:
- أنا ذكر!
قيل لها: هدئي من روعك يا طاوِلُ. سنضع تحتك هذه الكرسية.
ابتسمت الطاولة لما ضمنت حقوقها فأكلوا عليها.
قال بيدبا الفيلسوف لدبشليم الملك: هذا مَثـَلُ قوم تغافلوا عن عظام المظالم.
6- قال أحدهم أنه مسلم أبا عن جد لكنه هو الله و لا يقوى على الصيام.
علق آخر: شوف ولد الحرام!
قال بيدبا: هذا مَثـَلُ أمة دب فيها الفساد. فساد الدين وفساد الإلحاد. فلا حل لك غير أن تضرب رأسك على حائط.
7- قال كارل ماركس: الممارسة العملية تكشف لك حقيقة أولاد السوق. وفي رواية أخرى عن ستالين تكشف لك حقيقة أولاد الحرام. ومن أولاد الحرام؟
قال مفسر: من ولدَه أبوه وليس له أم.
قال بيدبا الفيلسوف لدبشليم الملك: هذا مَثـَلُ تفكير قوم عندما أصبح قمَّار في الكازينوهات يصنع فلسفة العالم.
8- في رواية قاسم بن زياد الوردي أن بيدر الدرس يفضح سوء الغرس. وما سوء الغرس؟ قال مفسر: الأسطورة والخرافة.
قال بيدبا الفيلسوف لدبشليم الملك هذه عبرةٌ لقوم يحترفون الدجل.
9- أخذت أحصي أملاكي: حاسوب، مكتب، وسادة، حقيبتين بهما ملابس. حركت خاتم الحب في يدي ثم قلت: أنا سعيد ولست عبد الغني ولا عبد غني.
قال بيدبا الفيلسوف لدبشليم الملك: هذه حكمة من لا حيلة له.
10- حينما تشتعل الحرب يموت الفقراء. وفي النهاية يتصالح الأغنياء بعد أن يعيدوا توزيع الممتلكات فيما بينهم.
قال بيدبا الفيلسوف لدبشليم الملك: لا تشتعل حرب إلا بوجود الفقراء. ولا يوجد فقراء إلا بوجود مصاصي الدماء من البشر. وكأن أحدا ساديا يتسلى بنا على الأرض.
11- لعن الظلام وأشعل شمعة. لاح لهم وجهه على ضوئها فقتلوه.
قال بيدبا الفيلسوف لدبشليم الملك: هذا مَثـَلُ من كره العيش في الظلام فحان أجله.
12- التقى أحدهم بلقمان الحكيم يوم البعث قبل الصراط فسأله:
ألا زلت مصرا على أن أنكر الأصوات صوت الحمير؟ قال الحكيم لا، فسأله الرجل: ما أنكرها إذن؟
رد لقمان: أصوات الناخبين.
قال بيدبا الفيلسوف لدبشليم الملك: هذا مَثـَلُ من يضع ثقته في من يبغي السيادة عليه.
13- إذا كان المرء معارضا حقيقيا غير رسمي يموت من أربع: حادثة سير أو تسمم أو اختطاف أو أحمق يطلق عليه النار.
سكت بيدبا الفيلسوف ولم يبق بينه وبين القتل غير قيد عجلة. [/size:65e786fce4]
.
.
.
.






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 06:07 PM رقم المشاركة : 11
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

إمتاع ومؤانسة -16-
24-05-2007, 07:12 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=15052


[size=18:9db016710f]هذه المرة لن أحدثكم عن المرأة والجنس وكل تلك الخزعبلات التي كانت تتسلل إلى حكيي قبل أن أتزوج. لكنه سيكون – سامحوني- جنسا من نوع آخر.حالة تشعر فيها بالإهانة وكأن أحدا نكحك رغم أنفك وليس لك سوى أن تنبطح.
حلل الله البيع وحرم الربا، ولو كنت لاَهاً لحرمت البيع أيضا. يا لطيييف تفو! لن يستقيم العالم إذا استمر بتكديس المال على حساب جليل الأعمال. لا بد أن تشتعل الحراقية في يوم معلوم. يمكنك تفادي السياسيين إذا لم تكن راغبا في خواض، وأن تتفادى الصحافيين بترك الجرائد والتلفزة إذا لم تكن تريد أن يضحك على ذقنك أحد، لكن ملاقاتك مع البائع ضرورة لا مفر منها إلا إذا كنت تريد أن تصنع كل حاجاتك بنفسك وتقول مع الصوفي أبو دربالة: " كم حاجة قضيناها بتركها". إذا لم تكن جبايهي( ذو جبهة لا تعرق من الخجل) وقليل الحياء فأنت الضحية دائما. لا أرتاح بعد الشراء إلا حين أجد شخصا آخر طلَعَتْ معه لفتة البائع فاشترى بثمن أغلى مني بكثير. مقهورا ومداريا خجله كفتاة قبلها وبش عنوة. يبرر الثمن المرتفع بأن الشيء الذي اشترى يمتاز بما فيه من اسْيور(رباط) أو زر زائد أو لون رائع..إلخ.
وصلتني رسالة من الرباط تشعرني بوجوب القدوم للحصول على الإقامة الدائمة بكندا. مييييمتي الحبيبة يا مييمتي! كدت أطير من الفرحة وتحولت إلى شخص آخر مختلف تماما عني. كل من رآني يقول لي: أنت مش ولد الحاج عبدالقادر بوطربوش! لقد مسخت!
الفيزا يا ولدي : اتفووو على البشَاااااااار. بدأت أتجول بسوق المدينة ولي رغبة في شراء ملابس جديدة تليق بكندا. كيف أساوم التجار وأنا فرحان دون أن يطير مني فرحي؟ خطرت ببالي فكرة جهنمية. دخلت عند أول متجر أحذية. اخترت زوج حذاء ثم سألت عن الثمن والفيزا تحتي تدفئني. رد البائع بثمن فأعطيته أقل من النصف. سخر مني محاولا إخجالي لأرفع الثمن بسرعة فصبرت لسخريته وأنا أقول في نفسي: ولد القحبة يا ولد القحبة لن تطير مني الفرحة هذه المرة ! أعطيته نصف الثمن فبدأ يرطب اللهجة وكأنه يشفق علي. رفض بلطف فزدته بعض الدراهم. تظاهر بالتردد في عملية مسرحية بارعة لا يتقنها إلا بائع يهودي ثم قبل. وضعت الحذاء في مكانه ثم انصرفت خارجا وأنا أقول:
- نعلة(لعنة) الله عليك يا بو لحية! اللحية وقلة الحياء! كيف قبلت البيع بنصف الثمن الذي طلبت ؟ إذن! كنت تريد أن تشمتني آ اليهودي بولحية. أهذه طريقة إسلامية في البيع يا شايب يا عايب.
لم يجد الوقت للحاق بي وقد فاجأته. نجحت العملية وكررت مثلها مع ما لا يقل عن 20 دكان تقريبا. شتمت جميع من في السوق إلا الذين خفت أن يسلخوني أو من كانوا معززين بابن يساعدهم.
- أنا أكذب ؟ اسكت! يعطيك مرض الضرسة يا ولد الحرام. من قال لك أني أروم الصدق في حكايتي؟؟ أم تصدق ما تريد وتكذب ما تريد؟ إذن أنت حمار طويل الأذنين. أخرج سير اتْقوَّد ..سير ... تفووو.
بعد شهر عدت إلى الرباط أقضي به ليلة ثم أسافر بعد ذلك إلى كندا. زرت أولئك الباعة الذين شتمتهم. منهم من تعرف علي فضحكت له حتى ينقلب من الغضب إلى الاستماع ثم فسرت له أنني كنت بائعا مثله وقد توقفت حين حصلت على الفيزا إلى كندا. يباركون لي الفيزا وأدعو لهم: الله يجعل الغفلة بين البائع والشاري ! وأنا أعلم علم اليقين أن الغفلة لن تكون إلا من جهة الشاري.
وصلت إلى كندا بلد الماركوتينغ والمناجمانت. اقتصاد آدم سميث ودافيد ريكاردو. كان وزير المالية المغربي في المعارضة يحلم بمغرب مثل الغرب. اكتشفت أنني كنت مصابا بالخرف حين كنت أناقش الناس لما يصدقون وعود الوزير الكاذبة بأن المغرب - لو صبروا بعض الوقت - سيصل على يده إلى درجة كندا بعد عشرة سنوات. اصبر يا جني حتى ينضج اللحم. لم أكن أجد راحتي إلا مع المعطلين ( العاطلين) الذين لا يصدقون أي شيء حتى ولو كان ممكنا. من وجدها لنفسه نسي غيره. الوقت صعب. ها أنا الآن بعد سبع ساعات طيرانا في كندا بالذات ولا يلزمني أن أنتظر عشر سنوات وهمية. انتقمت لنفسي من الباعة في المغرب ورحلت خفاقا كالسنونو.
حينما يهب علي نسيم نهر "سان لوران" وأنا بحدائق مونتريال أزهو مع الورود وأتمنى قبلة من السنجاب يتسلق الشجر( لا تغاري حبوبة ديالي، إنني أخاتل لاوعيهم)، وأنظر إلى روعة هذا الجمال الذي تفننت يد المجلس البلدي في تعميمه على كل الشوارع. النقاء والنظافة أينما حللت. لا متسولين ولا ماسحي الأحذية. رأيت الشوارع نظيفة، والأشجار مقلمة، والحدائق الغناء مورقة والتي لو رآها السيد الوالي المغربي لسال لعابه من أجل بناء مقهى وبار ومطعم. مشروع مربح جدا. قلت للرجل الذي استقبلني في أول يوم وصلت إلى كندا أن الملكة إليزابيث ربما مرت من هنا أمس لذلك كل شيء نظيف وعلى أحسن ما يرام. حاول إخفاء ضحكه لأنه حسبني أتكلم بجد خاصة وأنه لم يخطر على باله أن أمازحه في أول لقاء. لما فطن قهقه قائلا: المغاربة مساخيط يا صاحبي.
شارع سانت كاترين مليء بالدكاكين وشتى أنواع الملابس. تورطت في شراء زوج حذاء ولم أكن متيقنا من أن العاقبة ستكون على خير في نهاية الشهر. 119.99 دولار لحذاء موقع من طرف شركة معروفة. قالت الشقراء مبتسمة: شكرا لأنك اشتريت منا وسعد مساؤك. لم أكن أنظر إلى فخذيها البضين. دعونا من قلة الحياء يا مكبوتين. إذا أرغموها على العري باسم الحداثة فأنا لست مكبوتا ( الآن) حتى أقلل العفة. تسلمت البضاعة دون تكسير الرأس والأخذ والرد. ساعة من المماحكة في المغرب مع البائع هي الفترة التي صُنع فيها الحذاء هنا: الشن الطن، ها أنا معك والحذاء جاهز. هاك يا مالي! المناجمانت يا حبيبي يُدوِّر الماكينات بإتقان ويُدور معها العمال الذين ينطون من ركن إلى ركن ولا يجدون الوقت حتى لحك رؤوسهم. خرجت فرحا ورغبتي في مزيد من الشراء أو على الأقل الظفر بخدمة فتيات حسان في الدكان بدل ذاك أبولحية الذي شتمته في الرباط. يا لطيييييف، حينما أتذكر...!
طلبت من البنكي فتح حساب فسألني من ضمن ما سأل عن رقم هاتفي. ولما لم يكن عندي هاتف اعتذرت فرفض فتح الحساب. قلت في نفسي: أظن أنه يبغي تدويرة ( رشوة) لكني لم أعطه شيئا لخوفي من أن يلقطوني حيا إلى السجن. والو المزاح.
خرجت غاضبا أقول لو كنت في المغرب لاتصلت بعبد الرحيم وحل المشكلة. أنا هنا غريب بدون قريب. ولن أفتح الحساب إلا بعد شهر حين يأتي التقني ليزود منزلي بالهاتف. عرجت على هاتف عمومي لآخذ على الأقل المعلومات من شركة الهاتف عن الوثائق الضرورية لأهيأ ملف الاشتراك. صوت نسوي رخيم يرد علي بكل أدب واحترام حتى حسبت نفسي قائد مقاطعة أو مدير مصلحة الضرائب مثلا. قبِلتُ الثمن الذي كان هو 24.99 دولار فقط للشهر. أعطيتها العنوان، ورقم جواز السفر ورقم التأمين. أعطتني رقم هاتفي للتو واعتذرت قائلة إنهم لن يستطيعوا تشغليه الآن وعلي أن أنتظر 10 ساعات على الأكثر. قلت بغباء حين فكرت أن علي أن أشتري كفتة وفواكه وليمونادا لتشجيع موظف الشركة: متى سيزورني التقني؟ لما ردت علي أن الأمر لا يحتاج إلى تقني خجلت من نفسي. سألتها عن الإنترنيت فقالت: السرعة العالية ب 19.95 دولار فقط. قبلت الثمن ورجعت إلى البنك مسرورا لأفتح الحساب. المناجْمَـنْت والماركوتيـنج يا حبيبي! ليس دق اللعب هذا.
أمضيت شهر عسل أتلذذ فيه كندا إلى أن توصلت بفاتورة الهاتف: 257.08 دولار بدل 24.99 +19.99 ! إيييه يا سيدي! لقد أخبرَتْـني بثمن الربط المتغير من شركة إلى شركة بينما أخفت باقي الواجبات. الماركوتينغ يا حبيبي! حتى الإنترنيت احتسبوا حجم التحميلات لتصبح مؤدى عنها بعد 1 Go وقد كان التحميل سريعا مثل السلحفاة! قرأت تفاصيل الفاتورة فوجدت أنهم يحسبون ما لا يخطر لك على بال، زائد الضريبة عنه فوق ذلك. تذكرت تلك الفتاة الشابة البشوش التي استقبلتني في الفندق في أول ليلة بمونتريال ثم سلمتني الفاتورة. الأداء قبل النوم! لاحظت فرقا بين الثمن المصرح به والمكتوب على الفاتورة. سألتها فـفسرت لي: " هذه 5 دولار لكذا، وهذه كذا دولار لكذا ...وهذه 3 دولارات للترحيب". هاك الماركوتينغ يا اوليدي! نظرت مبتسما وقلت: ومن قال لك رحبي بي يا سيدتي! ضحكت وكم كانت ضحكتها حلوة يقطر منها سر خفي. شتان بينها وبين أبولحية. ثم قالت: " الفندق هو الذي يرحب بك يا سيدي وليس أنا “. قطعت حبل التذكر وفتحت رسالة كانت مع الفاتورة من رئيس شركة الهاتف في إطار متمنيات الشركة لزبنائها السعادة والهناء بمناسبة حلول السنة الجديدة. قرأت إسم الرئيس الموقع أسفل فإذا به هو: أسامة بناني*. ناري ! خروب بلادي يا ميمتي.
نزلت مهموما إلى الشارع حين لاحظت أن حسابي البنكي فارغ وأن البنك يخصم ثماني دولارات مقابل خدماته وقد زادها بدولارين ونصف لأني أديت فاتورة الهاتف ببطاقة التأمين. قُطِعَتْ يدي! لماذا لا أؤدي الفاتورة كما في المغرب. الصف والعَرَق يتقاطر أحسن من 2.50 دولار إضافية عن كل فاتورة. تحول الشارع الجميل إلى جهنم. أرى الأثمان كالمذعور ولا أعرف من أين ستنزل علي الضربة. إنه البوكسينغ داي Boxing Day، أي ذلك اليوم الذي يتم فيه تخفيض الأثمان بمناسبة الكريسمس. يستمر التخفيض بعد ذلك طبعا إلى الأسبوع الأول من يناير. رأيت مثل حذائي وقد نزل ثمنه من 119.99 إلى87.99 دولار ومع تخفيض البوكسينغ داي أصبح ب47.59 فقط. ناري، اصطادوني! علمت فيما بعد من صديق تعرفت عليه أن مالك شركة الأحذية المعروفة يهودي أمريكي. إنه أبو لحية آخر يا مييمتي الحبيبة. سألته ما العمل ولم أجد بعد عملا مناسبا. رد صديقي أن علي بمحطة المترو " نَـمور" على الساعة السادسة صباحا. لم أكذب نصيحة وصبحت هناك. وجدت حافلات مدرسية تحمل المهاجرين إلى الحقول للاشتغال في الفلاحة. عمل في السوق السوداء غير مصرح به. عجت الحافلة بالمهاجرين من الهند وإفريقيا. صعد الشرطي يتأكد من أن الحافلة تحمل العدد القانوني. القانون حتى في السوق السوداء عند البلدان المتقدمة! حتى العاهرات بقوانينهم ويؤدون الضريبة لأنهم ينتجون العَرَق والروائح من الإبطين. ليس دق اللعب هذا مع أمريكا! سألت عن الثمن فإذا به سبع دولارات فقط للساعة تحت الشمس، بينما تتقاضى تينك الفتيات اللواتي كن يبتسمن لي 16 دولار للساعة تحت الظل. فهمت الآن قيمة النهدين في بلد الحرية. كنت أحسبهما شكوة لحليب الأطفال فقط. عدت أدراجي وأنا أقول متخيلا أن ألمانيا أحسن من كندا:
ها كيلي على كندا الغراقة! لو أرجعوا لي نقودي لهاجرت إلى ألمانيا أحسن

* محض صدفة إذا تطابق مع إسم حقيقي.[/size:9db016710f]






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 06:08 PM رقم المشاركة : 12
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

انفجار فلسطيني
12-06-2007, 05:27 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=16054


[size=18:29ef5bbb51]
قبل أن يدوي صوت الانفجار سمعته يقول:
من يقتلنا ؟
-الصهاينة بدعم من أمريكا بدعوى أنهم يريدون الرجوع إلى أرض الميعاد... تفوووو عليكم أيها المجرمون.
-المسيحيون بدعوى أنهم يخافون على مستقبلهم بلبنان. تفووو عليكم أيها العنصريون.
-الأوربيون بدعوى أنهم يحاربون الإرهاب... تفوووو عليكم أيها الإمبرياليون.
-الحكام العرب بدعوى أننا نسعى إلى إطاحتهم... تفوووووو عليكم أيها الطغاة.
-الشيعة بدعوى أننا سنة ... تفوووووو عليكم أيها الدجالون.
-السنة بدعوى أننا ملحدون... تفووووو عليكم يا أهل الغدر.
-الفلسطينيون بدعوى أننا فوضويون...تفووووو عليكم أيها الانتهازيون.
خاتمة:
بوووووووووم .......طرااااااااااااااااااااق... باااااااااااق. [/size:29ef5bbb51]






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 06:13 PM رقم المشاركة : 13
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

إمتاع ومؤانسة – 17 –
24-06-2007, 05:38 PM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=16716


[size=18:6ec57e9fcb]حين مات أبي بدأت أفكر في العودة من مصر إلى المغرب. صراحة كنت أفكر دائما في ذلك لولا رغبتي في الحصول على الفيزا لأستراليا. الجنيه المصري لا يساوي بعرة، بالإضافة إلى أن الفساد كثر فيها. تقريبا ثلث النساء احترفن هز البطن والأرداف والمصيبة الكحلة هي أنهن وجدن من الصحافيين من يدافع عنهن على اعتبار أنهن شريحة تستحق الاحترام! لو سألت عاهرة نفسها إن كانت تستحق الاحترام أم لا، لقالت لا! سمعت هذا بأذني من إحداهن! كبرت ابنتي عويدا فبدأت أتخليها تهز الأرداف هزا، وتلوز بالبطن تلويزا وتقول للرعاع المترف حولها:
- رقصني يا جدع، على وحدة ونص!
يا لطيف! رفضتْ زوجتي جواهر العودة معي إلى المغرب. أرسلتها إلى القاهرة لتعيش مع والديها والرغبة في البكاء تأخذني كلما فكرت في ابنتي متصورا إياها في العوامة تُخرج فخذها البض من تحت ثوب شفاف وتملمه بما يهيج الغرائز. رغم ذلك غادرت أسيوط بحسرة. حلا لي العيش مع المصريين وآنست وداعتهم وظرفهم. أسيوط، الداخل إليها يبكي من حسرة الغربة والخارج منها يبكي من حسرة الفراق. لكن ما العمل ؟ لو تركت أختي وحدها في المغرب لا بد أن يوقعها في شركه ولد القائد بوريال وابن لاجودان مرشان. مرروا كل الجميلات تقريبا إلا المحروسات بل حتى بعض المحروسات تركن آباهن يحرسن القوابع ( القبرات) ومشين مع الحرية.
لما عدت إلى المغرب طُلب مني أن أشغل منصب أبي، فقبلت. كان أبي موظفا شبحا. له صديق حميم ذو منصب مهم بوزارة الداخلية يخبره قبل الانتخابات بالبرلماني المعين للفوز حسب التقسيم السياسي للبلاد. يشتغل أبي في الدعاية له قائلا للناس: مد عنقك لعالم ولا تمده لجاهل...إلخ. بعد الانتخابات وتولي العالم برلمانيا، يرتاح أبي لأربع سنوات أو خمس أو ست سنوات حسب السنة التي سيعلن عنها الملك لإجراء انتخابات جديدة. أما أنا فقد تورطت حين قبلت خلافة أبي. لو طلبوا مني أن أموت أو أقوَّد لشرير مثل القايد بوريان أو لاجودان مرشان، لفضلت الموت وحق للاعيشة القرنية. طلب مني أن أحضر له في منتصف الليل، بنات جامعيات من مكناس فرفضت قائلا: أنا سائقك الخاص لأعمال الداخلية والبلدية، أما أن ترسلني لآتي بالقحاب فلا. لم يمض شهر على تعييني حتى نقلوني لحراسة شاطئ "بويا رحال" بمراكش. به بيوت للمبيت على الرمال الذهبية للشاطئ لا يسكنها إلا من أصابهم جنون. جنون البحر. وهناك على بعد أقل من كيلمتر من مدينة مراكش، مقهى المربع الأحمر حيث يجلس المثقفون والجامعيون. كلما جن الليل وخلد رئيسي إلى النوم مع زوجته أبقى وحيدا أحرس الغرام على الشاطئ من السلاكيط اسْكايرية الذين يأتون إلى شاطئ " بويا رحال". قال لي الرئيس: دع عنك العشاق لكن إذا رأيت السلاكيط، فقربك مركز القوات المساعدة إذهب إليه وكلم الشرطة من المكتب.احذر أن يعرفوا أنك من أخبر الشرطة حتى لا ينتقمون منك. دعهم يفهمون أن "الواشمة" ( أي سيارة الشرطة) مرت بحكم روتين العمل. ميميتي الحبيبة يا ميمتي. سأحرس أولاد الحرام وأعرض نفسي لخطر الانتقام. لقد كان أبي أذكى مني.
بينما أنا أتجول على الشاطئ ولم يبق لي إلا بضع أمتار من المدينة، قبالة مقهى المربع الأحمر حتى رأيت مراكشية مكتنزة القد والقوام تتجول مع رجل بعيدا عن الناس. فهمت أنهما جاءا من مقهى المربع بفضل الكتاب الذي كانت تحمله معها. أعرف أن المثقفين يتفنون في الكلام وهم مستعدون للخيانة في أول مناسبة لذلك صرخت فيهما بصوت عال:
- ياك ..ياك ...ياك يا ولد القحبة ها أنا جاي ليك.
فر المسكين مذعورا بينما سقطت المراكشية وقد غلبها الرمل وفشلت ركبتاها من أثر الخوف. ذهبت إليها وحسبتها غنيمة. توسلت إلي واستعطفتني ووعدتني أن تزورني بطيب خاطر مرة أخرى. أخذتها إلى بيت الحراسة المتطرف القابع تحت جنح الظلام.. كان بيتي مجهزا جيدا وبعناية فائقة. رميت كل كرتون الحارس الذي كان قبلي إلا تلك التي أضع عليها قنينة الغاز. سريري من إسفنج لا زال صلبا شيئا ما. كان لدي كرسي إضافي قرب السرير في حالة لا بأس بها. كل الأواني(البراد، الكؤوس، الغلاية، الملعقة) مغسولة جيدا وليس فيها تفحم ولا فطر. طلبت منها الجلوس على السرير بينما أنا قابلتها جالسا على الكرسي. لا شك أنها استحسنت صورة بوب مارلي المعلقة على الجدار. رأيتها تنظر إليها كل مرة.
تصفحت الكتاب الذي تحلمه معها. عنوانه : "العشق الصوفي". سألتها إن كانت تعرف المثل القائل: أولاد المزاليط يتخرجون حمادشة ؟
كانت تنورتها قصيرة فوق الركبتين. آح! ميييمتي، على كويييسي يا ميييمتي! هكذا كان يصيح الإسكافي " اقسيم" بأعلى صوته كلما رأى فتاة شبه عارية. يضحك المارون فترتبك الفتاة وتتعثر.
آح! ميييمتي على كويسي. سألتها عن الرجل الذي كان معها فقالت: " مجرد صديق. صحافي يشتغل مع جريدة" . لمته على أن هجرها ولم يقاوم من أجلها. حين كنت أجلس بمقهى المربع الأحمر كانوا جميعا يدافعون عن حرية المرأة. كنت أقول في نفسي: بشحال الحااااااولي؟؟ يريدون النكاح مجانا ويسمونها صداقة. لما رأيت أنها لم تفهم معنى ب" شحال الحاولي" حكيت لها قصة ذلك البدوي الذي حذرته أخته القاطنة بالمدينة من اللصوص حينما أراد بيع كبشه( الحولي) هناك. كلما سأله مشتري عن الثمن حسبه لصا فرد عليه متوجسا: بشحال الحااااااوليييييي؟؟؟
كلمتها قليلا عن حياتي في مصر، فسألتني عن الأهرام والفراعنة كأنها من سلالة الجبابرة الظالمين. يقرؤون في الكتب عن الفراعنة ويحسبوهم آدميين وما هم غير سلالة أولاد الكلاب. حين أفكر في العمال الذين شيدوا تلك الأهرام يتقطع قلبي لأني أتذكر أيام كنت بناءا في المغرب لبضع شهور أخلط البغلي. كنا نبني منازل نافعة، ولو تعلق الأمر بقبور بشعة لكانت الوطأة أكبر. قلت لها أنني زرت زقاق المدق والحلمية أولا، ثم بعض الشوارع الكبيرة حينما كان يسمح الوقت.
لما استأنست إلي طلبتُ منها حقي. لم تفهم، فقلت لها أريد أن آكل منك مثل الآخرين. إنني لست بصحافي يدير الحوار والتخوار بينما يأكل اللحم الطري وزير الثقافة بمقابل خدمات من خزينة الدولة. تمنعت ووعدتني بزيارة قادمة تكون فيها مستعدة نفسيا.
لما قضيت وطري منها خرجت معها وبت أرقبها حتى غابت عن نظري. قلت في نفسي وأنا عائد إلى بيتي:
-هاكِّيلي على القاريات! يحسبوني صحافي مغفل.

1- المزاليط = الفقراء
2-حمادشة: من الفرق الصوفية المغربية. [/size:6ec57e9fcb]






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 06:15 PM رقم المشاركة : 14
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

إمتاع ومؤانسة -18 -
08-08-2007, 10:32 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=18868


[size=18:4022475c72]
هذه " مؤانسة " أضعها في ركن القصة تجاوزا فاسمح لي أيها المشرف من فضلك. لا أحب الملاحظات. مفهوم؟؟
لا تقل لي أن هناك أخطاء نحوية. سبقك إلى ذلك الدكتور مصطفى الشليح في مكان آخر.

إمتاع ومؤانسة -18-

أريد أن أحكي لكني أخاف من نور الدين. يحسب نفسه مثقفا يا حسرة بسبب تلك الدكتوراة التي أصبحت تساوي بعرة. زيدوا ! عشرة بريال...عشرة بريال. ما بقاوش!... حق للا عيشة إن دخل علينا حتى أطردنه شر طرد.
بوبكر رجل عجيب. نزل علي هنا بكندا مثل الرحمة وقد اشتقت إلى الضحك. إنه من الزواقيين. قبيلة اشتهرت بالنحو وعلوم الدين بدءً من سيدي خليل وسيدي حمزة وسيد البصري وانتهاءً بألفية ابن مالك. لكنه علم ممزوج بالسخرية والإلحاد المبطن على طريقة الصوفية حتى بتنا نقول: هل أنت مسلم أم زواقي؟؟ بوبكر لا يفقه في الدين رغم أنه منهم لكنه يطير مع الكبار في الرياضيات والكيمياء والفيزياء. إذا سألته عن أي ذرة يعطيك خبرها: عدد الإلكترونات الإجمالي وما بقي في الطبقة الأخيرة والبروتونات وتفاعلاتها مع باقي العناصر الكيماوية وترتيبها في جدول ماندالياف. و لو لم أخف من الكذب لقلت أنه يعرف حتى قدر الطاقة المنبعثة من شق البروتون والنوترون لبعض المواد. السلامة! السلامة يا مولاي!
بوبكر بالنظر إلى طبعه وسلوكه لا يصلح لكندا ومع ذلك حصل على الإقامة الدائمة. كلما فاجأه جديد مثل باب يفتح أوطوماتيكيا بمجرد الاقتراب منه أو آلة تنطلق وحدها تُنَشِّف بالريح إذا اقتربت يده منها،عبَّر عن دهشته بالدعاء لصانعيه بالدُّمَل قائلا : آ الحَبَّة!
أرد عليه: تُحبك كلبة يا مسخوط. سر واسكت.
ها هو نور الدين دخل.
- إسمع يا ولدي الدكتور وانصت مثل الآخرين. كُبَّ ثقافتك في البحر ودعنا نمزح. لقد اشتقت إلى الضحك فاسكت رحم الله أباك.
أنا أحكي عن بوبكر وليس عن عبد الغني ولد الحاج. عبد الغني جبان ورقيق الإحساس. يحلم بمادونا عارية تجلس على ركبتيه وهو كاره لهذا وهي تتدلى بصدرها حتى عانته وتفتح الأزرار فيصيح فزِعا ويستيقظ، أو يحلم بأمه تقبل جبينه وتقول له الله يرضي عليك يا ولدي ويرزقك امرأة صالحة تنجب لك إبنا سَمِّيه أنس أو سمير. عبد الغني - ولد أمه- غالبا ما تقف للا عيشة القرنية بلباسها الأخضر والأحمر على سريره وهو نائم. تبخر له بالشبة والحرمل ثم تخضب يده بالحناء قائلة: الله ينجيك يا ولدي من السامعين لما تحكي. احترس منهم إن منهم من يقطعون الحكاية بسكاكينهم في لاباطوار حين لا يستطيعون قطع دابر الظلم وجور الحكام الكبار.
أما بوبكر فنزق لم تر عيني مثله. حين يحكي لي أحلامه أكاد أموت من الضحك. إما يخاطب آين اشتاين أو يحل معادلة شرودينجر أو يجد فكرة لصنع قنبلة بقوة النووي تُشْحن على مدى عشرة سنين بمجرد استعمال التيار الكهربائي. أو يتحارب وحده مع إسرائيل ويقول للأوربيين: اشهدوا يا عباد الله! ياك هم الظالمين مش أنا.
شهر يوليوز حار. تخرج البنات هنا تقريبا عاريات. صدر بارز وتنورة قصيرة جدا يكاد يظهر الثبان من تحتها و ظهر عار من القفا حتى الحزام. مصيبة كحلة لِمَن لم يكن متزوجا أو له "صديقات" يُكرمنه عند الحاجة. حين أخرج مع بوبكر للفسحة يغني باللكنة الجبلية كلما مرت عربية وقد عزلت مؤخرتها بلباس ضيق:
- أ شوف التلاوة شْ لاَ دْ قي آ لمْحَرَّزْهااااا! وا شووووف التلاوة آش لا دْ قي ....( أُنْظُرْ ماذا تفعل المؤخرة يا من يسترها).
أعْذُرُه. من الصعب جدا تحمل هذا الاستفزاز. لا بد أن تبحث لك عن قنية ولو سوداء. إضرب واهرب كما يقولون. حذار من الزواج فقد تورط نفسك. حين وقف بوبكر بمحطة المترو " بيري أوكام" رأى أسودا يقبل شقراء جميلة. ظن أن الصيد سهل هنا ما دام للأَسْوَدِ هذه الحظوة. لا يعرف المسكين أنها موضة اليوم أن تتخذ الشقراء أسودًا كَ" فاك فراند" في انتظار الزواج من أشقر إذا حصل. أسْهُم العرب نزلت في بورصة الجنس بعد 11 سبتمبر. بن لادن قاطع الأرزاق يا لطيف. زَادَه تفاؤلا ما قالت له فتاة سمراء ترتدي لباسا أحمر مثير: هل لديك ما تفعله هذا المساء؟ رد بنعم وهو يظن أن الصيد وفير. مثله مثل ذاك المهاجر الذي عثر على محفظة نقود لما حل لأول مرة بمطار نيويورك فرماها قائلا: لن أبدأ بجمع النقود من الآن. قلت له: سترى يا بَّا بوبكر. والله لن تلمس غير نطيحة تجاوزت الأربعين ونخرها التدخين والخمر. هاي ! هاي! من الحمارة إلى الطيارة.
أجمل لقطة معه هي حين دخلنا محطة المترو. ظهرت لنا أبواب القطار مفتوحة ولما كنا منشغلين بنقاش فارغ لم نر علامة ممنوع المرور. دخل القطار بينما أنا توقفت لما انتبهت. أُغْلِـق الباب أوطوماتيكيا وأخذ القطار معه مسافرا واحدا إسمه بوبكر. دخل به إلى الغار وتوقف. خرج السائق وضل الغريب وحيدا بين الجدران في النفق حتى وقت انطلاق قادم. انتظرته طبعا ولما عاد كان وجهه مصفرا والعرق يتصبب من جبينه وعلامة الخوف بادية عليه. وجد الحرس والعسس والشرطة قد اجتمعوا لما أخبرهم السائق بوجود غريب في القطار. نظر إليهم بدهشة وهو لا يكاد يتكلم. فسر له حرس القطار ما وقع والتحق بي وهو يردد : ياه... ! ياه.. !.. ثم لما خلوت به بعد هنيهة قال:
- من السهل جدا تفجير محطة المترو. أين الكاميرات والحراس؟ لقد تسربت بسهولة.
قلت له :
- يا بوبكر ! انتبه! لقد لطخت سروالك من الخوف ودع عنك التفجير الآن.
قهقه وأقسم بالأيمان الغليظة أنه لم يخف. ثم وضح أنه يقصد الإرهابيين إذا عزموا وليس هو.
لما ركبنا القطار الصحيح، أخذ جريدة من تلك الجرائد التي توزع بالمجان. بدأ يتصفحها ويقرأها باهتمام كأنه سيكتشف شيئا مهما. ولما اكتشف فراغها وسطحية تحاليلها نظر إلي قائلا:
- هذو ازطاعي!
قهقهت من هذه الكلمة لنجاعتها ودقتها أولا ولأني لم أسمع بها منذ جئت لكندا. أيقظ فيَّ حنين البلد. مقابلات كرة القدم والكارطة والتجمعات في المقاهي. قرأ علي مقالا من الجريدة عن الخطر الأصولي وتوقف عند عدد المسلمين في منتريال ثم سألني:
- هل لك علاقة بمديرها؟؟
أجبت بنعم لما عرفت أنه يطنز علي. فأضاف:
- قل له أن يصحح عدد المسلمين: أن ينقص منه واحدا.
- أتقصدني يا بوبكر ؟
- لا! أقصد نفسي.
- لكنك تصلي؟
- وكيف أعيش مع أسود الرأس؟ يريدونك كما يريدون وعليك أن تكون كما أرادوا. هذه السّـَنَة سأطحن رمضان في الماكدونالد.
- أخاف أن تصبح مسلما أكثر من جدك هنا في منتريال.
- أعوذ بالله! لماذا؟
بوبكر لا يعرف أن أسود الرأس سرعان ما يتقوقع حين يهمش وحين يرى " منكرا" لا عهد له به. فتكاد تنقسم المدينة إلى قسمين: منتريال لاند، و منتريالِستان. رغم أن وجهتنا كانت إلى مطعم " الجيلالي حلال" طلبت منه أن ننزل بمحطة " بودري" . لما رأى هذا الحي المخصص للشواذ جنسيا، الرجل يعانق الرجل والمرأة تقبل المرأة وقد لبسوا لباسا متشابها ويتفسحون بحرية أمام المطاعم والمقاهي والإدارات ومحلات الشركات دون أن يزعجهم أحد، صرخ :
- آ الحَبَّة! يا لطيييف! ... هؤلاء قوم لوط.
لم أقل له : "تحبك كلبة" هذه المرة. الأمر في غاية الحساسية وقد يسيء بي الظن. سخرت منه موضحا أنه بعقليته المغربية لا يستطيع التأقلم. الناس هنا تحدد ميولها الجنسي مبكرا. ربما ابنتك خديجة هي التي سيكون بمقدورها أن تحدد ميولها بنفسها وتلبس الزي الحداثي " الشرعي" للعمل في المطاعم والحانات والمتاجر. بدون تنورة قصيرة وصدر نصف عار حق للا عيشة القرنية لا حطت قدمها في عمل ولو صحفية مثلا. لا تتغطى هنا إلا برلمانية أو وزيرة أو دبلوماسية أو ممن يجب أن يُحترموا. للباقي العري في بلاد بني العري يا صحيْبي.
- سير تلعب ها العار يا نور الدين. لقد قررت طردك وإذا سامحتك فلا تقاطعني. خلي ثقافتك عندك. يا لطييييييييف، تفو!
قلت لبوبكر أن الواحد من الرجال حتى ولو لم يكن شاذا جنسيا يأتي إلى هنا. يشتغل منبطحا ويتقاضى أجره واقفا. أجر جيد طبعا.
نظر إلي نظرة المصدوم وهو يكاد يصطدم بالناس. يبسمل ويحوقل. فقلت له:
- ها هو الإسلام في طريقه إليك.
لما رأى الشرطة يحرسون الشواذ ويسيرون بينهم على الرصيف كما في باقي الشوارع دون أن يلقوا عليهم القبض، علق قائلا:
- والشرطة هنا؟ هم أيضا ... ؟؟
تسلل بعد برهة نحو شرطيين وسأل أحدهما:
- حين تقول الصحافة الأمريكية بأن الإرهابيين قتلوا المدنيين الأبرياء أفلا تشعرون بأنكم غير أبرياء وقتلكم جائز؟؟
اِسْـتنكَرَ كلام الصحافة حتى لا يؤاخذه الشرطي وضحك في وجهه ضحكة صفراء حتى لا يصفعه. وضع الشرطي يده على المسدس ورد بخشونة واضحة:
- من استطاع فليفعل! إننا لا نلعب هنا.
فك بوبكر الأمور بسلام وتوقف حتى التحقت به إذ كنت متخلفا. ثم علق:
هاكيلي على كندا الغدارة! لولا أن المغرب أصبح زبالة لما بقيت فيها يوما. [/size:4022475c72]
.
.
.






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 06:18 PM رقم المشاركة : 15
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

حب على إيقاع بدوي
15-09-2007, 06:33 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=20658


حلفت برب سلوى ذات العينين العسليتين والخدين الوردين، أنني ثوري حتى النخاع وأنني وطني من رأسي إلى أخمص قدمي، وأنني مسلم قدر المستطاع. لكن نقطة ضعفي غادة. شقراء من أهل فاس. من أباح لها سفك دمي ليس في الأشهر الحرم وإنما في عام الوسواس. وسواس الجنة والناس بأن هذا عام لرد الصاع صاعين لكل عتريس جبار. وكما تعلمون أنني ثوري حتى النخاع وأنني وطني من رأسي إلى أخمص قدمي وأنني مسلم قدر المستطاع، فقد قررت رد الصاع بأربعة. الفرصة مواتية لم لا؟ غير أن نقطة ضعفي سلوى الفاسية من عائلة غنية وقد أجرأ على القول بأنها انتهازية. سلوى نفسي سلوى. عذاب نفسي حركاتي الثورية تلعب بالخيوط من خلف الستار. كلما كادت خططي أن تفضح يضرب قلبي دقات قوية ويخيل إلي أن أحدا يخونني أو يحاول الإيقاع بي. ولا زلت كذلك وسلوى تأخذ من جهدي وتغمرني همسا وتذيبني بابتسامتها المرمرية ونظراتها الغجرية. ألا يحق لثوري حتى النخاع ووطني من رأسه إلى أخمص قدميه أن يحب؟ ولمسلم قدر المستطاع أن يغازل؟ ممكن... ممكن أن تحب وتكره غير أن المستحيل هو أن تحب ما تكره! أنتم لا تعرفون أنني من قرية بسفح الجبل منسية وأنني بدوي من عائلة بلا جذور أو هي بجذور منسية وفي قصور الإقطاعيين مقطوعة، ولكنكم تعلمون أنني ثوري هائج كالثور ووطني صادق كالحمار ومسلم كالسرعوفة، وأنني أحب فتاة من أسرة ثرية وللمال حاشدة، وأن الثوري يكره عائلات من هذا النوع، والمسلم قدر المستطاع يتفادى عائلات من هذا النوع. أما أنا فأحب ما أكره: سلوى البرجوازية.
قلت لكم أن قلبي كان يضرب دقات قوية كلما كادت أساليبي الثورية أن تفضح، وأقول لكم الآن أن قلبي دق أعنف وأسرع وأنا أصاحب سلوى إلى الفيلا. كيف لقلبي الواهن أن يخفق عنيفا؟ أ لأنها الخيانة؟ خيانة من ؟ خيانة الثوري الذي أنا المنقاد إلى الفيلات؟ أم المسلم الذي أنا المنقاد إلى الخلوة بفتاة؟ لا هذا ولا ذاك. هو الحب حينما يسيطر على صاحبه وهي الرغبة حينما تستبد به. وهي بعد هذا وذاك عقدة البدوي المتدفق مع مياه " ورغة" و" سبو" حينما يتمكن من اختراق ما لا يمكن اختراقه بالثورة والوطنية والإسلام.
أمام الفيلا، ضغطتْ هي على زر أحدث رنينا بالداخل. فتح الباب بالتحكم عن بعد. سبحان الله! ليس لأنه خلقني بل لأنه خلق هذا العجب أو حتى أكون مسلما قدر المستطاع سبحانه لأنه خلقني وخلق هذا العجب وأشياء أخرى. استقبلتنا أمها بثيابها المنزلية. ثياب ليست قصيرة فحسب بل شفافة أيضا. إن الله شاهد علي، أنا المسلم قدر المستطاع أنني من هول الصدمة لا أذكر شيئا من الفيلا سوى أنها كانت فخمة وأنني لتيه نظري بين هذه المكتنزة القد والقوام والفيلا المنوعة الديكور والرخام، لم أشعر حتى وجدتني بغرفة مفروشة بأفخم الأفرشة ومرشوشة بأزكى الروائح. كان هول الصدمة قويا. قد لا ترون مبررا للصدمة أو قد تجدونه في كوني بدوي مصنوع من تربة التيرس والدهس لا بد أن أصدم أمام الحضارة والنضارة والأثاث الفاخر وما يملأ الفيلا مما لا أتذكره بل لم أره أصلا. صحيح أن بدويا مثلي لا بد أن ينبهر، لكن والله شاهد على ما أقول أنا المسلم قدر المستطاع أنني وسط الفيلا أحسست أني أخون الثوري الذي بداخلي وأن الوطني الذي يلبسني بدأ يموت وأن المسلم الذي يتقمصني بدأ يخبو تارة ويقفز ما فوق المستطاع تارة أخرى. غير أنها لم تكن سوى لحظة إذ سرعان ما أسكرني نبيذ سلوى الخفيفة الروح، الرشيقة القوام الساحرة العينين وأكثر من هذا الطيبة القلب والأخلاق، الخجولة كأحلى فتاة زادها الخجل أنوثة. الساذجة تماما كما أنا ساذج. الله وحده يعلم ما في القلوب وقلب سلوى تجلى لي أنا أيضا. أدركت أنها تحبني عن طريق الإشراق. قمة الحب إشراق.
غير أنها لم تكن سوى لحظة أيضا إذ نادتها أمها كلفتها بأمر لم أدر ما هو. غابت سلوى. دخلت أمها تحمل عصيرا. العصير في الأفلام الغربية حامل السم أو المخدر وعندنا بسفح الجبل حامل السحر. شهدت أن لا إله إلا الله تقية وقرأت آية الكرسي التي تبطل السحر ثم شربت العصير. المرأة المكتنزة القوام تلتصق بي تدريجيا وتميل نحوي شيئا فشيئا إلى أن امتزجت أنفاسي بأنفاسها. لا حياء في الأدب، تصوروا إذن!
لقد شعرت بالتقزز وفهمت لماذا رفض يوسف امرأة العزيز وهي تراوده عن نفسه. وقد راودتني عن نفسي فامتنعت. لم تنل مني شيئا أو لنقل لم أبادرها بشيء إلى سمعنا رنينا بداخل الفيلا. فأدركت بفضل ما رأيت عند الدخول أن ابنتها عادت وضغطت على الزر فأحدث ذلك الرنين. كانت وجنتا المرأة محمرتين، ويداها ترتعشان. طلبت مني أن أفتح الباب وهي تدخل متسللة إلى الحمام.
غادرت الفيلا مقطبا أمام دهشة سلوى التي لم تفهم شيئا. أخبرتها أنني لن أرجع.
لن أرجع. الدم في شراييني يجري بقوة كنهر ورغة ورائحة تربة التيرس طغت على رائحة الميموزا المتبرجة وسط الفيلا. غريب أنا هنا كشجر الدفلى المجتث من مكانه الطبيعي لينمو محاصرا بأسيجة الإسمنت المسلح وسط الفيلات. كالدفلى أنا أزهارها زاهية وجذورها مرة. لن أرجع. لن تحاصرني الأسيجة.
فاس ! أنت الجسد وأنا اللهيب. فاس! أنت الشهوة وأنا العفاف. ألا يا مياه نهر سبو فلينقلب مجرى مياهك إلى الاتجاه المعاكس لتعبي من مياه البحر ولتحملي موجه إلى البر.
.
.
.






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 06:21 PM رقم المشاركة : 16
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

الموت في لوي جانطي
28-09-2007, 06:42 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=21379


مات خالي بمنجم فوسفات لما انهار عليه الغار. لا زالت ذكراه جرحا يدمي قلبي وشهادة على قسوة الوطن. مات قبل وفاة الحسن الثاني بقليل وعمره أربعون سنة ونيف.
كانت الساعة الثانية بعد الظهر حين نزلْتُ بمدينة "بن جرير". سائق اللاندروفير المخزنية وضعني بمحطة الطاكسيات وانصرف. بعد أن قضينا الليلة نائمين داخل السيارة في انتظار الصباح لإصلاح عطب فيها، ها أنا الآن متوجه إلى لوي جانطي. لم أكن أعرف ما ينتظرني من متاعب إلا حين جاءني الكورتيي( وسيط) يطلب مني كراء طاكسي كورصة ذهابا وإيابا إذا كنت أنوي الوصول إلى وجهتي.
كورصة!؟ هذا معقول. لا يوجد مسافرون إلى لوي جانطي بعد الظهر لملء ست مقاعد. وبالتأكيد لن يجد صاحب الطاكسي قادمين إلى بن جرير في المساء فيضطر للرجوع فارغا. لكن من أين لي بالدراهم الكافية لكراء كورصة ؟ وكيف ألحق باللوندروفير؟؟
خرجت إلى ضاحية المدينة تحت أشعة شمس لافحة. ألوح للسيارات والشاحنات. الهيتش هايكين الاضراري وليس تبعا لموضة الهيبي. شتان بين نيويورك وبين جرير. نزلت بj "بوشان" لأن صاحب الشاحنة الذي أخذني معه توقف هناك. الخلاء والقفار وعلي أن أجد مخرجا للوصول إلى لوي جانطي. القلق والصيهد وناس بدون وطن.
تعجب خالي حين طرقت باب منزله عند المساء: كيف وصلت وليس عندي سيارة ؟ لم أكن في حاجة إلى دعوة منه أو مناسبة لزيارته. إنه خالي الذي قضى معنا سنواته الدراسية بالإعدادية تحت نفس السقف. لا زالت حكاياته الطريفة عن "السوحية" و"علال الهبيل" وبعض الأقوال شاهدة عليه رغم مماته. نحكيها عنه ونختم قولنا: الله يرحمه مسكين.
فرحت كثيرا حين لاحت لي لوي جانطي. مدينة متطورة جدا. بها أسلاك كهربائية، مقاهي، سوق خضر ودكاكين وصاكة ( سجائر) وخياط تقليدي. الطريق بين المنازل معبدة ولا بأس إن كانت محفرة. اللوكس هنا عند عمال الفسفاط بالمقارنة مع عمال مناجم الكُحل بإيميني الذين يسكنون منازل صغيرة بالحجر والقصدير. الكهرباء هناك مولد محليا. لا مقهى ولا حلاق ولا سوق ولا دار شباب ولا.. ولا...هناك فقط سينما قديمة تركها المستعمر لا تستعمل ولو في العمل الجمعوي. أما هنا في لوي جانطي ...اللوكس يا سيدي! هذا أمر طبيعي لأن الفسفاط يدر أموالا طائلة.
قبل أن أغادر المدينة جلست مع خالي في المقهى. لما توقفنا عن الضحك بدا لي جادا يريد أن يحدثني في شيء مهم. قال لي:
- ما رأيك أن يتوسط لي أبوك عند فلان لأخرج من الغار؟ إن الغار خطير والعمل فيه مضني. أريد أن أعمل في الإدارة مثلا.
- خير لك أن تموت في الغار على أن تصغر خدك لفلان. لا أنصحك.
سكت خالي وقبل نصيحتي على مضض. ربما اتصل بأبي بعد ذلك وتأكد له أن الخروج من الغار لا يكون بهذه السهولة. دخول الحمام ليس مثل الخروج منه كما تقول النكتة المغربية.
على شاشة التلفزة رأيت الملك الحسن الثاني نحيفا جدا وهو يحضر استعراضا عسكريا بفرنسا نظرا للصداقة التي تجمعه برئيسها. بدأت تتأكد الإشاعات التي تتنبأ بمرضه وقرب وفاته. منذ ذلك الحين والإدارة في توجس. المدراء ورؤساء المصالح والوزراء لا يعرفون على أي قدم يرقصون في انتظار العهد الجديد. إذا طلبت تدخل شخص نافذ للحصول على خدمة رد عليك أن الأمور صعبة هذه الأيام. لم يكن أمام خالي إذن أدنى حظ للخروج من الغار قبل وفاة الحسن الثاني. ولم يكن أحد يعرف ما يخبئه له الفسفاط. انهار الغار فوق رأسه قبل أن يقضي الملك.
صدرت الصحافة الرسمية -حكوميَّة ومُعارضة- بخبر مفاده أن أربعة مغامرين من عمال الفسفاط دخلوا غارا مهجورا رغم رؤيتهم لعلامة ممنوع الدخول فانهار عليهم.
خالي مغامر كبير برأي الصحافة وهو الذي كان دائما يقول لي: "لن تنجح قط في حياتك يا هشام إذا بقيت هكذا متهورا". مات خالي وترك خلفه حمزة ابنا يتيما تتسابق إليه أيدي الإسلاميين. ترى هل سيكون حمزة معتدلا مثل أبيه؟؟
.
.
* لوي جانطي : الاسم السابق لمدينة اليوسفية المغربية نسبة إلى كولونيل فرنسي( تخصص مشاة) وخريج مدرسة البوليتيكنيك.
.
.






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 06:22 PM رقم المشاركة : 17
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

إمتاع ومؤانسة -19-
13-11-2007, 10:30 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=23909


.
.
.
[size=18:6c84b64c83]ناري،... يا ناري! سأحكي لكم عن يوم أسود قضيته أمس هنا بمونتريال. يوم أسود ومع ذلك سنضحك. هذا الذي سأحكي عنه شيعي من العراق وزوجته مغربية همها أوراق الإقامة.
عادة حينما كنت أكتئب بالمغرب أعتصم بالمنزل من شر الشارع حتى لا يزيدني اكتئابا: هذا ماسح أحذية عنوة وهذا متسول يكاد يضربك أو يستعطفك حتى تشعر بنفسك مذنبا وهذا رجل سلطة يحتقر "مواطنا" على مرأى ومسمع من الناس...إلخ تفوووو يا لطيف عليها بلاد! لكني حينما اكْتَـأبْت بمونتريال قلت في نفسي أخرج للمقهى عسى أن أفرج عن كربتي وحتى لا أرى أمي سبب اكتئابي. بمجرد ما سمِعَـتْ بميلاد ابني ركبَـتِ الطائرة ليلا وأصبحَتْ بمنزلي. تركنا ( زوجتي وأنا) لها الابن تحت حراستها وذهبنا للعمل. خرجَتْ إلى قاعة الحلاقة ولما عادت وجدت الصبي قد كاد أن يختنق. حملته سيارة الإسعاف على وجه السرعة. لو كنا بالمغرب لوصل الإسعاف بعد دفنه ورزئت في فلذة كبدي. أصبت بشجن وغضب كبير ولم أتمالك نفسي حتى شتمتها: " أجئت لتحرسي ابني أم لتذهبي كالقُحَيْـبة إلى تلك الحلاقة القوادة ؟ "
كان فضيل بانتظاري في المقهى بطلب مني. شاب وسيم وذكي يختار من البنات الأبهى كما يختار الشاري من الدلاح. يعجبني مرحه وتفاؤله. لم أكد أجلس معه بضع دقائق حتى رأيت عربيا يخرج من المراحيض وثبانه الداخلي الأبيض يظهر من فتحة السروال. كل خطأ عربي يحسب علينا جميعا والصحافة الملعونة لم تعد سلطة رابعة وإنما كلابا نابحة همها " التسفيلة والحَيحة"*. لذلك أخبرته بالخطأ العربي: فتحة السروال.
لما أغلق الباب على عورته قصدنا وطلب الجلوس معنا فرحبنا به. لكنه بمجرد ما جلس، راح يفتخر بجدوده والعراق والشيعة حد جنون العظمة. مِن العراق أكبر الشعراء، ومن العراق كل الأبطال ثم زاد قائلا أن الشيعة هم مركب النجاة ولا يخلو حكم عربي من وجودهم بما في ذلك المغرب. قلت له إن الأدارسة خوارج يا سيدي وإن سلخكم يزيد بن معاوية فأنا بريء منه كما أنت بريء من الدولة الفاطمية التي كان حكامها أشبه بالمعتوهين. قاطعني ومنحني نقطة حسنة هدية منه: " أنت إنسان مثقف ". رغم ما تُـحْـدثه فيَّ هذه الكلمة من حساسية سواء بمعناها العربي الفصيح أو الدارج ( تعني عنين) فإني سكتت. اختار المعجب بأهله -مركب النجاة- أن يبدل الموضوع فأخذ يحكي لنا عن زوجته المغربية التي طلقها ولازالت تتابعه في المحاكم.
قال - والعهدة عليه- أنه دفعها حتى سقطت على السرير وليس على الأرض كما تدعي ولم يضربها كما تلفق، لكنها مع ذلك استعملت الهاتف واستغاثت ب" الناين وان وان" أي 911 . ما هي إلا دقائق معدودة حتى كان صاحبنا يُحَقَّق معه! ظن أن الأمر لعب عراقي: اضرب زوجتك وعض واقرص واصفع ولا من مجير كأن على ظهرها بطانة شاة. قال والعهدة عليه أنها عرت ظهرها وصدرها وأرادت أن تخرج إلى الشارع هكذا، فقال لها:
- عِيييبْ أن تفعلي هذا. عليك أن تشرفي بلدك المغرب. أن تحترمي نفسك وزوجك وأهلك. عِيييبْ أن تخرجي متبرجة هكذا!"
لست أدري ماذا كانت التفاصيل حتى دفعها صاحبنا على السرير وليس على الأرض كما تدعي.
كانت هي تبكي كلما وجدت نفسها في ورطة الطلاق والمحاكم، لكن دموعها بحسب تعبيره دموع التماسيح. كان يبكي هو لما ضيع المال والوقت واسْوَد ملفه عند مصالح الهجرة ولما كان محتضنها لثلاث سنين عليه نفقتها حتى تستوفي الثلاث. لكن بتعبيره هو أن دموعه دموع الصخرة!
نحن بمقهى تيم هورتونز وهو يستشهد بالإمام علي. يشرب الكابوتشينو الأمريكي ويفكر بدماغ الخميني. يلبس الدجين والقميص نصف كم بموضة إيطالية ويتحدث عن الأصالة. كان يقاطعني ولا يترك لي فرصة أتكلم فيها. يضحك صديقي فضيل كأنه يريد الفرجة ويرغمه على الاستماع إلي. لكن حالة اكتئابي جعلتني أسكت خير من أن يتفرج النصارى علينا. قلت: هل سينزل المهدي في آخر الزمن ؟ أقصد محمد بن عسكر الإمام الثاني عشر من الأئمة الشيعة؟
رد ، وقد لاحظ ابتسامة ساخرة من صديقي وسمع أنين ضحكة مكتومة ، إن بالعراق مندائية وصابئة ويزيدية لكن السنة لا يخافون إلا من الشيعة! ثم أضاف أن هجرته إلى كندا لم تكن بسبب البطالة أو الفقر وقد كان العراق بخير والحمد لله. قاطعته:
- في عهد صدام حسين ؟؟
نظر إلي شزرا وتململ وأحس بها كأنها مؤامرة. وهي فعلا مؤامرة لأن صديقي كان يصب الزيت على النار ويقول له: لم تجب عن سؤال المهدي ؟ أجب عن سؤال المهدي!
رن الهاتف ولست أدري ماذا قيل له لكنه اعتذر قائلا أن هذا ابنه يطلبه وسيضطر للمغادرة. قلت له: هل هو ابنك من زوجة أخرى؟
رد علي:" نعم! عراقي أصيل". كان يتكلم وهو منصرف فلم أسمع غير كلمة " أصيل". سألت صديقي: هل قال فرس أصيل؟ ضحك صديقي وسخر مني. أحسست بالإهانة وبالدم يجري بقوة في شرايني. المكتئب لا بد من الحذر في الكلام معه لأنه يشتعل كالحطب اليابس. وضحت له بانفعال أن الأصالة لم تعد بالنسبة لي تستعمل إلا خلال الكلام عن خيول التييرسي! فهل هذا الشيعي مقامر ؟ لا بد أنه يتحدث عن الخيول العربية. زاد صديقي في ضحكه حتى سمعه مَن حوله وزاد غضبي لكني كتمته. ما الذي يضحكك يا فضيل؟
- الشيعي كان يتحدث عن ابنه ! عراقي أصيل. لا نقطة من الفُرس في دمه ولا عظم من سوريا في هيكله.
ولما كنت غاضبا قلت بغير اقتناع بعد أن تأكدت أن السخرية ليست مني:
- الشيعة كلهم هكذا. يحسبون أنهم الصواب بعينه والعظمة فيهم وحدهم لذلك فتك بهم صدام.
كأن صديقي وصل إلى ما لا يريد وهو شديد الكره لصدام. لا يعرفه غير جلاد ودكتاتور. فرد علي:
- بصفة عامة المارينز هم دواء العرب والفرس.
زاد غضبي من هذا الحكم. خرجت أبغي الفرجة فإذا بي أزداد اكتئابا. سيطرت على مشاعري وتركت صديقي يضحك ويردد: الشعية مركب النجاة للعالم يا ولد الحاج! اجْمعْ راسْكْ. النَّوَوي على الأبواب.
قلتُ حين اعتقدت أن صديقي لا بد أن يدافع عن بنت بلده ضد هذا الشيعي المتحجر:
- يطلب من زوجته أن تشرف بلدها! فهل شرف بلده هو بسرواله المفتوح على العورة. اللعنة على البطالة في المغرب. ربما أن تلك التي تزوجته، وهي تعرف أنه شيعي متعصب، دكتورة في الكيمياء أو الإيكولوجيا أو ...إلخ.
تمدد فضيل ووضع رجله على الكرسي المقابل له. رشف جُغْطة ماء وأنا ألاحظ ابتسامته الساخرة وأسمع: هِـيييء !هِـيييء! ضحكات متقطعة تشي دائما بمصيبة سينطق بها:
- ربما حسبَـتْه شيوعيا وليس شيعيا! والأرجح أنها دكتورة في النيكولوجيا وليس الإيكولوجيا.
زال همي وكربي. ضحكت حتى مسكت بطني وحككت أنفي المريض إثر عملية جراحية والذي بدأ يوجعني من أثر الضحك. اكتشفت مدى سذاجتي وقلت: شيعي وقحيبة وما لنا نحن يا فضيل؟؟
عاودني الضحك مرة أخرى خصوصا من كلمة النيكولوجيا. كلمة مستحدثة في الدارجة المغربية تعني " فن الجماع". طلبت منه أن نغادر المقهى حتى لا ينزل علينا سيخي يبشرنا بمركب نجاة آخر وقد قولبته دكتورة في النيكولوجيا تعري الصدر والظهر والبطن الأسفل. حاشاك، حاشاك، يا سِّي فضيل.
خرجنا ويا ليتنا لم نخرج. كأن الحزن عاودني حينما رأيت بباب المقهى آسيويا يحمل ما يشبه غلاية ويضرب ناقوسا أمامي. يريد تبرعا من أجل الكنيسة. قلت بالعربية حتى يفهم صديقي ولا يفهم هو:
- هربنا من التسول باسم الزلطة ( الفقر المدقع) فإذا بنا أمام تسول باسم ادجيزس.
يتقاضى المتسول سبع دولارات ونصف للساعة وعند المساء يعود بالغلاية مملوءة نقودا لجمعية جيش السلام المسيحي. قلت له: هل أنت مسيحي ؟ أجابني بأنه بوذي فعلقت:
- لماذا لا تتسول باسم بوذا وتأخذ الغلاية بأكملها وبما فيها؟؟
ضحك رغم استهزائي منه حين رأى الضحكة على محياي. ورد:
- الدلايلاما يتسول لدى جورج بوش لذلك مدحه ووصفه بالرجل الطيب وسيزور كندا غدا لطلب المعونة. ربما سنقترح عليه إنشاء جمعية بوذية للتسول حين سيجتمع بالجالية. ثم ضحك. لم يفته أن يخبرنا بأنه مهندس معلوميات - حتى لا نحتقره- لكنه لا زال في طور تعلم اللغة الفرنسية الضرورية للحصول على عمل.
التفَـتُّ إلى صديقي الذي قطع الضحك وهو المهندس في المعلوميات أيضا والذي لم يعثر على عمل بعد ثلاث سنوات من التخرج. قلت له:
- هاكِّيلي على الديمقراطية! لقد أصبحت تعني فيما تعنيه تضبيع الناس من أجل استغلالهم بالمفيد.

* يعني الضجة . [/size:6c84b64c83]
.
.
.






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 06:25 PM رقم المشاركة : 18
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

الطفل والنار:
19-11-2007, 08:29 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=24239


[size=18:9c870a8509] .
.
.
استشراف أول:
غدا سأبيع الزهور
واشتري سيفا
غدا يا بلادي الحزينة
سأعبر جسر الدماء
عبد الرفيع الجواهري- قصيدة جسر الدماء.

استشراف ثاني:

كان الطفل كعادته يلعب بعود توهج رأسه نارا. حذرته أمه غير ما مرة من اللعب بالنار لكنه كان لا يهتم بتحذيرها. وهو في الواقع لم يكن يهتم حتى بتهديد حمدون. كان حمدون يستشيط غضبا ويتوعد الطفل كلما وجده يلعب بعود مشتعل وينفخ بكلا شدقيه ريحا تؤجج النار المتقدة على رأسه.
لم يكن الطفل يبتعد عن حمدون إلا مسافة تضمن له الأمان ويصيح في وجهه:
- آ حمدون ، حمدونة ! يا راس الليمونة!
يردد الأطفال نفس اللحن. يخرج الأب ليؤنب الطفل وفي نفس الوقت ليتسلم فاتورة أو استدعاء للمحكمة أو أمرا أو ضريبة أو طلبا بالتبرع من حمدون. الأم بداخل المنزل كلما رأت حمدون اكفهر وجهها وانتظرت أن يعود زوجها غاضبا يلعن ويضرب كلما يعترض طريقه من أواني.
كان الطفل يستعمل عودا لينا وقابلا للاشتعال. غير أنه كان يحرص أشد الحرص على ألا يكون العود من قصب لأن عود القصب كما هو معروف عند الأطفال يستعمل في لعبة عُويد الشيطان. وهي لعبة يتسلى بها حمدون كلما أصابه الضجر أو خاف أن يجتمع ضده الأطفال. ترتكز هذه اللعبة على أن يبصق طفلان على عود من قصب ويعمد حمدون إلى رمي البصاق حتى يتناثر في الهواء. وإذا ما تلطخ به أحد الطفلين وجب عليه مهاجمة الآخر الذي بصق على العود دفاعا عن الشرف حتى لا يتعرض لاستهزاء حمدون والأطفال الحاضرين. هكذا كان الشجار ينشب بينهما وحمدون يصيح :
- اعطيه !... زيد! هاك... خذ! .
غير أن حمدون لم يتمكن قط من الطفل العابث بعود تلتهم النار رأسه. حاول مرات عديدة لينتزع منه البصاق لكن الطفل بالرغم من استهزاء الأطفال كان يتجه يسارا لمسافة معينة وينظر إليهم في حزم وصرامة ويصيح:
- اللي في لِيسار معايا !! اللي فْ لِيمين عْدويا !
يستمر في ترديد شعاره حتى إذا ما انقسم الأطفال إلى فريقين غاب حمدون من جهة اليمين وجمع الزعيم أطفال اليسار واقترح عليهم لعبة "حابة". يخاف الأطفال من فريق اليمين غير أن وجود الزعيم بينهم يعيد الثقة إلى أنفسهم.
تجري لعبة " حابة" كما هي العادة عند الأطفال أن يختبئ فريق في كل مكان ويستعمل كل التمويه الضروري حتى إذا استغفل الفريق الثاني حامي المقام سبقه وحج فيه. والحج في المقام يعطي القيادة للفريق الأول وهكذا ذواليك. لكن اللعبة كانت تجري مختلفة بين الزعيم وحمدون. يشترط الزعيم مقابلة رئيس فريق اليمين ويتفق معه على الأماكن الممنوعة حتى إذا ما انطلق اللعب كان الأطفال يعرفون مثلا أن تجاوز الضريح ممنوع، وأن الاختفاء وراء المسجد ممنوع...وبالرغم من أن الممنوعات التي يتفق عليها الطفل كانت تميل إلى صالح فريق اليمين - مما يجعل الوصول إلى المقام صعبا- فإن رئيس فريق اليسار عادة ما يقبلها لأنها تحد من إمكانية الأطفال على الاختفاء في أماكن مجهولة وخطيرة.هذا ما كان يضمن للقائدين السيطرة على اللعب بدون مخاطر تذكر.
غير أن اختفاء الزعيم قبل نهاية اللعب ولأسباب غير معروفة أثار غضب الأطفال.
رائحة غريبة تتجول عبر الدروب. بالمسجد تضايق الفقيه منها حين ملأت عليه المحراب. ولما نفذ صبره نظر إلى أحد الطلبة قائلا:
- قم جدد وضوءك!
وفي زاوية مهملة بحي مهمل كان شيخ الطريقة مع مريديه غارقين في الأذكار عندما بدأ الشيخ يتململ معبرا عن انزعاجه ومحاولا اكتشاف مصدر الرائحة ومن الفاعل. لم يلبث طويلا حتى قال لأحد مريديه:
- هاذ عود الند اللي جبتي من مكة ريحتو خايبة!
ضل الطفل تائها بين الأزقة واستشعر خطرا من الرائحة الغريبة التي تملأ منخريه. خرج إلى ظاهر المدينة فرأى العسكر والقوى المساعدة ورجال الإطفاء يطوقونها. عاد إلى قلبها فوجد الناس قد غادروا بيوتهم وأضرمت النار في الأحياء. اندهش الطفل. نظر إلى العود مشتعلا في يده. بينما هو يتصيد الأخبار سمع بأن حمدون يقول:
- أين الطفل؟ نحن بحاجة إليه.
عبد الغني بنكروم – ورزازات- 1992 . [/size:9c870a8509]
.
.
.






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 06:28 PM رقم المشاركة : 19
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

إمتاع ومؤانسة -20-
16-02-2008, 06:46 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=28322


إمتاع ومؤانسة – 20-

قال أحد الحكماء أن مقتل الإنسان بين فكيه. فجَرَتْ هذه الحكمة على كل لسان. قلت لنفسي: هذه أحسن وسيلة للانتحار فتكلمي. لكن حين تكلمت، قالوا “هكذا تكلم بشير" وأخذوا يسخرون مني. حتى المجرمون عافوا دمي وقالوا: " تقلى في زيتك، شوف شكون يحاشيه ليك يا مسعور".

أصبح الحكي عندي صعبا وأنا أرى ابني يبتسم لي ويترجاني مترنحا أن آخذه بين يدي. بينما أنا أريد أن أضحك معكم فإذا برغبة في البكاء تجتاحني. في ظرف دقيقة أمر من الضحك إلى الحزن. الراوي الجيد هو الذي يتحكم في الحكي ولا يتحكم الحكي فيه. إذن سنضحك جميعا وستجدونني قويا. اللي تكلم، يرعف يا أولاد القحاب. إسمعوا جيدا ودعوني مع المساخيط نُنَكِّت ونفرح بالجراح.

يا أصدقائي هذه قصة حقيقية. ميثاق شرف مني . لكني سأكذب قليلا خوفا من الشرطة ومن أراد الحقيقة فليتصل بي هاتفيا. لقد خَلَيْتها وقَفرتها في أكبر متجر بمنتريال. هذا هو الطريق السليم للجنون.

المتجر إسمه زيلرز . يمكنك أن تتجول فيه. كبير وروائحه عطرة ونساؤه ما شاءت أمريكا( للعُزاب يا حبوبة ديالي)، وبضاعته من كل شيء عينة. يقول المثل: اللي ما شرى، يتنزه. لكن الأمر مختلف هنا. الكاميرات في كل ركن والحرس السري في كل زاوية: إما اشتري أو نصبوا لك فخا تروح به في داهية.

جاءني هاتف يخبرني بأنني زبون جيد لزيلرز. صدقت الأمر رغم أنني أمرُّ عبره لأَصِل إلى متجر آخر دون أن أعرض نفسي للبرد والثلج. يعني أجعل منه نفق عبور فقط. كم أنا ساذج حين أعتبر نفسي قوالبي. لا حيلة مع الرأسمال يا مساخيط. كونوا حذرين. إنه يضع حدوده لنفسه وقوانينه لنفسه فاستسلموا رضي الحاكم عنكم. قالت لي ذات صوت رخيم أن المتجر يهديني صورة عائلية بالمجان إذا حضرت في موعد أحدده معها. خصصت وقتا وحضرت وتصورت مع زوجتي عدة صور. حددت موعدا آخر وعدت لآخذ صورتي المجانية. لما وصلت باب المكتب المخصص لذلك رأيت امرأة تلبس شيئا كأنه بذلة نوم. يفضح كل مفاتنها وحتى البيكيني الأحمر. ترتدي نعلا عبارة عن قطعة جلد تحت قدمها وخيوط رقيقة تشدها إلى القدم البض الناعم. قلت في نفسي وأنا أتهيأ للاصطفاف خلفها، طريق المجان تؤدي بك إلى الصف وراء القحاب. تفاجأت حين طلبت مني الدخول. المصور يصور وهي تدخلنا وتختلي بنا في هذا المكتب. وجدته كخدر عاهرة تماما. أضواء وألوان وروائح وموسيقى خافتة. هكذا وصفوا خدر عاهرة يا مساخيط لا تضحكوا. إنها "الرؤية بالوصف" التي لا يعرفها أولاد السكويلة وليست "الرؤية من خلف". أما الخدر الذي رأيت ففيه رائحة كازا اسبور الكريهة ( أكذب يا حبوبة لا تصدقي). أعطتني الصورة المجانية بديت فيها كالقرد وبطني مدلى أمامي كأنني أنا من سرق البنك العقاري والسياحي في المغرب. ثم أخرجَتْ ثلاث صور أخرى أعجبتني، فإذا بها تنبهني إلى أن ثمنها 300 دولار. آحييييي. ضربة قاضية. أكتري المنزل ب 400 وأشتري الصور من الكاغيط ب 300 دولار! هاك على البيزنز في زيلرز. تركت لها الصورة المجانية وفررت بجيبي. شكوت أمري للمدير أنني وقعت ضحية نصب واحتيال فقال لي: " سير يا سيدي ما عندنا ما نْديروا ليك. إنها مجرد زبونة تكتري المكتب ". قالها بالفرنسية طبعا لكنها على لحن المغربية.

هذه المرة سلمت الجرة. واعتبرت ضياع وقتي في سبيل المجان.

مرة أخرى كنت مارا بنفس المتجر أقلب السلع والأثمان ولا أنظر إلى النهود والمؤخرات وحق للاعيشة القرنية. أنا متزوج يا قليلي النية. لقد ولى عهد قلة الحياء. كنا نطير مع الطيور ونسير فيها فدانية. لا نميز بين البكر وامرأة الرجل. أما الآن أحفظ الأثمان وأقلب السلع وأتأكد من اسم الماركة هل هو حقيقي أم مزور، وإذا ما ظهر لي أن الثمن رخيص أتحقق ما إذا كان هناك ديفو ( عيب) . الكاميرات تراقبني والبائع يكره الزبون الذي ليست فيه غفلة. يحب أولئك الذين يملؤون العربة بدون تفتيش. سمعت مناديا يصيح بمكبر صوت أن المتجر سيوزع علينا سكاكين مجانا وما علينا إلا أن نتوجه إلى الطاولة الزرقاء وسط الممر الثاني. قلت : " هاي هاي! حتى العقرب لم تعد تعطي مجانا" . لكن الزبون يلدغ من نفس الجحر ألف مرة. وهو ما كان. توجهت نحو الطاولة لما رأيت جماعة من قرابة عشرين نفر تحلَّقَتْ حولها. بدأ الأشقر، مثقوب الأذنين بلحيته القليلة النبات كالعفريت، عرضه الدعائي حول قطعة من البلاستيك ( اللدائن) في وسطها شفرة معدنية تقطع البصل والجزر واللفت بعد حك بعضلات الأشقر. قال إننا سنحصل جميعا على السكين المجاني لكن بعد نهاية العرض. وقال أن هناك أربع هدايا مع الماكينة السحرية ! صدقْتُ الكذاب يا راسي الغريب. لما انتهى العرض، كان ثمن الشفرة عشرين دولارا!! البيزنز في زيلرز يا مييمتي الحبيبة. بلاستيك وشفرة بعشرين دولار أي ثلاث ساعات من عملي ! اخدم أنت يا كامْبو ( مغفل). من حجم تلك القطعة، كنت أعلب ستة عشر صندوق في الساعة وفي كل صندوق 360 قطعة ( 12 صف و30 قطعة في كل صف). احسبوا. الأمر أصبح واضحا بالعلاَّلي ولا حاجة بعْدُ لأحد يفسر لنا حساب فائض القيمة. كان في الحلقة نساء ومراهقات بينما انصرف رجلان عند وسط العرض. بدأ أشقر الرأس العفريت يبيع حتى لم يبق أمامه غير أسود الرأس أنا. الشقراوات المغفلات رُحن ليحاسبهن أزواجهن على التبذير وينتزعوا منهن بطاقة التأمين. الهدايا بالنسبة لمن اشترى هي سكين آخر وماكينة أخرى من نوع مختلف لم يفتح علبتها، بالإضافة إلى الميكة (المحفظة البلاستيكية). قوالبي كبير. قال لي العفريت:

- هل حضرت العرض منذ البداية ؟

- نعم !

- أرأيتني أقطع الطماطم ؟

- نعم !

- لكنني لم أقطع طماطما ! تكذب إذن.

- لو قلت لا، لصدرتني فارغ اليد بحجة أنني لم أشاهد العرض من البداية. كذبت أنت الأول فرددت عليك بمثلها. ماتش نيل ( تعادل).

مددت يدي حتى قاربت بطنه وفي عيني شرر. خاف العفريت من ضجة تفضحه رغم الكاميرات التي تراقبنا وأعطاني السكين. خرجت مزهوا به في جيببي ولما فتحت العلبة وجدت شفرته رقيقة ولا تتعدى السنتيمترين. وضعوه في علبة فاخرة وكبيرة. ثلاثة منه بدولار واحد بمتجر اشْناوا ( الصينيين). أولاد الحرام خالصين في زيلرز.

سلمت الجرة هذه المرة وظفرت بسكين. قلت لزوجتي حتى أحتفظ برائحة الغنيمة: " قد ينفعك في جراحة صدر الدجاج والسمك قبل قليه ليتبللا بالشرمولة جيدا ".

ومرة ثالثة لم تسلم فيها الجرة. قالت زوجتي أنها تريد نونورسا لولدها رغم الثلج والبرد القارص. أكاد أجزم أن المرأة أغرت آدم فنزلنا إلى الأرض. أصبحت مصدقا للأساطير أمام مصيبة هاته التي معي. قلت لها على الأقل إلبسي هنداما أنيقا وامشطي شعرك وتجلجلي بالأساور ولو من فضة. لكنها كالقُنية تلبس ادجين والجاكيت وشعرها المنفوش خلفها لا زالت آثار يدي عليه. تحسب نفسها افْريدا كاهلو لكن الحرس والعسس والكاميرات يشبهونها بصدام حسين حين ألقى عليه القبض في الغار عملاء الماخينز. قلت لها: لا يا مسخوطة! الحنزازة في المغرب عزاب شومور لكنهم هنا كاميرات وبوليس سري. فركبت رأسها هي التي جاءت حديثا إلى كندا وتؤمن بالحرية في بلد الديمقراطية. تنط بين الممرات وابنها على صدرها كالكنغر Kangourou . تقلب الديكورات: كرتون وأوراق وأعواد بألوان فجة غير متناسقة. تسخر من ذوقهم. قلت لها لما كنت أعلم أن الصوت لا تلتقطه الكاميرات، إنها حداثة المتسخين لا يعرفون أين ينفقون ما فضل عليهم من مال فيشترون به ورقا مقوى عليه شجرة موز وسفاحة قرد حمراء. فضحكت وهي ترتج كاتمة قهقهتها. أخذتها أحضن ولدي حتى لا يسقط بفعل رجات البطن. الكاميرا تراقبنا من السقف والقنية تتأرجح في الممر من شدة الضحك.

لما وصلنا إلى الباب الثاني المفضي نحو المتجر الآخر، أوقفنا أسود، طويل، عريض، مفتول العضلات، حليق الرأس، على أذنيه حلقتين ذهبيتين ربط عليهما حرفيCP . يلبس قميصا أسودا كُتِـب عليه ببند عريض إسم شركة عملاقة. إذا حرسها العبيد والمرتزقة فانتظر انهيارها على رأي التونسي زيان. خلته الجن شمهروش وتوقعت أن يقول لي: شبيك لبيك، أنا عبدك بين يديك. أُطْلُبْ وأنا أنفذ!... لكن المارد أراني شيئا يتلألأ وأمرني بغلظة أن أتبعه إلى المكتب. طلبت منه أن يريني مرة أخرى ما أراني بسرعة لأعرف من يكون. لكنه رفض ونهرني قائلا أنه لا يريد سماع ضجيج وعلي أن أنفذ أوامره بسرعة. صرخَتْ فيه القنية وابنها على صدرها: على الأقل تكلم باحترام يا رجل. غاض الماردَ أن تحتقره قنية، فرد بصوت البارود أن مثلنا لا يستحق الاحترام. أحسست بدفق من الأدرينالين ينسكب في شراييني ورغم ذلك تبعته إلى المكتب. رفضت القنية أن تجلس على الخشب وطلبَتْ مقعدا مريحا لها ولابنها لكن الساط بن الساط بعينيه البيضاوين الخارجتين من حدقتهما نهَرَها وهددها بالشرطة، واقفا يلوح بيده. لم أتمالك أعصابي فقزت من خلف المكتب ولطمت المارد على الحائط على حين غرة حتى سمعت من رأسه: الطنننننن. لما هممت بالخروج أراد أن يمسكني فانقضت عليه القُنية تضربه وتقمشه حتى كاد الطفل أن يسقط على الأرض. خرجتُ أصيح في الزبائن تعالوا أن اشهدوا هذا الحقير يهين زوجتي ويهينني . اجتمع الناس من كل حدب وصوب إن كان في المتجر حدب. شعرت بالانتصار لولا أن المارد جاءني من حيث لا أحتسب وأسقطني بتقنية عالية جدا على الأرض. الناس تتدرب على الأجواء العليا حيث تنعدم الجاذبية والحقير دربوه على إسقاط الناس بسرعة دون أن يبدوا أية مقاومة. فعلا، لم أبد أية مقاومة فأراد جري كالكيس على الأرض. ولد القحبة صافي. لكني تشبثت برجل مرفع البضاعة فسقط كل شيء في منظر وحشي للساط ابن الساط يمارس علي العنف الجسدي. هذا من حقه كما قالت لي الشرطية من بعد !. قلت في نفسي: العنف ليس من حقنا نحن فقط. علينا أن نكون " محترمين" بجر الراء. هناك فرق بين الناس المحترمين بفتح الراء والخوافين بجرها.

جاءني صيدلي لبناني يحدثني بالعربية كي يطمئنني. بالفعل سرت في عروقي دماء القبيلة فهدأت. نكون فلاسفة وأحرارا في بيوتنا ونتحول إلى طبيعتنا الحيوانية أمام المحن. فرِحْتُ أن الوسيط صيدلي. لو كان طبيبا لقال لهم: مجرد حالة هيستيرية عابرة. اصفعوه فيهدأ. عليه أن يتزوج مرة أخرى أو يتخذ عشيقة حتى لا تعاوده مثل هذه الحالة. امرأة واحدة لا تكفيه. شوف أولاد الحرام، كل شيء ردوه إلى الجنس كأن هذا المارد وأشباهه لا أثر لهم علينا. لكن فعلا، نحن في حاجة إلى زوجة لحبِّها ولمساتها ولأنها الوحيدة التي تقول لك:" اصبر يا حبيبي، لقد كثر أولاد الحرام. أنا معك حتى النهاية ". وغيرها يقول لك:" إوا حتى هو زايغ !" . يزيدك هما أكبر من هم المارد إلى أن يسقط في نفس الفخ فلا يجد غير زوجته في مواساته إذا لم يكن متزوجا بكارثة ( بْروصي). رغم هذا فإنني أومن بأسطورة آدم والجنة ليس لأني من قبيلة " ولو طارت معزة" يا عبد الحق طوع، ولكن لأنها هي من أخرجتني من جنتي أمام الحاسوب إلى البرد والثلج من أجل نونورس تافه.

شتمت رجل الأمن وهو موظف تكتري عضلاتِه تلك الوكالات الأمنية السيئة الذكر في العراق حيث كانوا يقتلون الناس كالذباب. تكتريه ليقوم بحراسة المتاجر والإدارات الكبيرة. لولا أن تذكرت ماري جوزي الهايتية صديقتنا التي أخذتُ لها غب الحادث صورة مع ابني و كيلوبترا االسيدة الجمايكية عاشقة بوب مارلي التي اعتنت بي في المستشفى كأنني ابنها، لشتمت كل السود من مانديلا حتى كوندوليزا رايس. اضطر مدير المتجر أن يطلب الشرطة فحضروا. فتاتان شابتان، جميلتان، عيناهما خضراوان، شعرهما حريري أشقر، مبسمهما فاتن، جلدهما ناعم، صوتهما رخيم، لا يعيبهما غير المسدسين اللذين في جنبيهما. قالت لي واحدة وهي تبتسم لأرى أسنانها كالبرد صُفَّت بعناية رسام ماهر: من حقك أن تحافظ على الصمت وتطلب محاميا. لا تتسرع بقول أي شيء حتى لا يحسب عليك. بينما ذهبت الأخرى لأجراء تحقيق في الحادث. جاء الصيدلي الذي أحسست بدفء العروبة فيه ليصور علبة "أكاجو" فاكهة يابسة كاللوز لكنها أرخص منه. الصيدلي العربي الممسوخ يخدم لمصلحة المتجر. أينكِ يا قبيلة؟! يا أوس ويا خزرج! قال لي: إنني لا أعرف إن كنتَ قد سرقت أم لا. سأصور المسروق الآن. أنصحك، بحكم أننا عرب ومسلمون، أن تحافظ على هدوئك حتى لا تجر على نفسك ويلات أخرى. أنت تعرف أن القانون لا يرحم. إذا أردت أي مساعدة، أنا موجود في الصيدلية ( توجد بالمتجر فترى الأدوية مع الكوكا) . أخذ ابني في البكاء شاهدا على الجريمة . ليحققوا مع زوجتي، جاؤوني به وهو يبكي. حملته على كتفي ولما لم أجد في جعبتي نشيد أطفال أسكته به، غنيت له أمام الشرطية التي لا تفهم العربية نشيدا من شعارات الجامعة تلك التي أودعت أصحابها في السجن ولم يتحقق شيئ منها :

يا شباب المغرب ثور، يا عمال يا فلاحين ^^^ واهزموا بالعنف الثوري كل الإمبرياليين .

جاءت الشرطية الحسناء تُكبلني بأصفاد الشرطة وليتها كبلتني بأصفاد الحب. لقد خرجت عن دورها الحقيقي في الحياة. لولا أن زوجتي ظهرت أمام باب المكتب تطلب منهم مصاحبتي إلى السجن لقلت لها بغدر الرجل الثابت تاريخيا:

- كَبَِّليييييينِ ... يا حلوة كبِّلييييييينِ! أنا أسير حبك. كبليييينِ بأصفاد حقيقية.

رموني في الزنزانة والتهمة: هجوم مسلح والسرقة الموصوفة. ثم أطلق سراحي إلى حين محاكمتي. قلت في نفسي لذلك الذي حاورني قبل الحادثة:

هاكَِّيلي على الدكتور اعْويدات، قرأ درسين في الجامعة فقرر أن الجنون مرض عضوي والعقاب دواء ناجع. لقد أصبحتُ واحدا من الغانغستير في رمشة عين لأنني شتمت الجِنَّ شمهروش. أنا مصاب بالجن، فما رأيك يا دكتور اعويدات؟

.

.






رد مع اقتباس
قديم 24-12-2011, 06:31 PM رقم المشاركة : 20
محمد رشدي
نائب المدير العام

الصورة الرمزية محمد رشدي
 




***

اخر مواضيعي
 

***
محمد رشدي غير متواجد حالياً

افتراضي

إمتاع ومؤانسة -21 -
11-03-2008, 10:15 AM
http://menalmuheetlelkaleej.com/showthread.php?t=29257


يقول أتباع اليهودي فرويد أن الطفل أبو الرجل. حلل وناقش يا سيدي . لكنني أقول أن الرجل يصنع طفولته انطلاقا من حاضره. حق للاعيشة القرنية ما نقلت قولا من ذلك الانتحاري جيل دولوز. لست إرهابيا يا ميمتي الحبيبة ولا أفكر في الانتحار. كل ما في الأمر أنني ربما طفل لحد الساعة ولا تنطبق علي النظرية.
هاكم السبب. قضيت طفولة سعيدة جدا. وسيم تحبني المعلمات والبنات. مجتهد أحصل على أعلى النقط في كل المؤسسة. أبي رئيس بلدية تطوان يهابه حتى المخازنية والدرك. كان له شأن وليس كما رؤساء المجالس الآن. إن لم يسرقوا من ميزانية البلدية فهم لا شيء. بيادق والسلام. ثم لما اشتد عودي أصبحت لاعبا يُعَوَّل عليه في فريق كرة القدم. صحيح أني لم أكن أسجل أهدافا كثيرة ولا أدري إن كان لذلك علاقة بالعنة ولكنني كجناح أيمن كنت كاللاعب الهولندي طاها ماطا. أقدم فرص التسجيل على طبق من ذهب. سريعا كاسكيتيوي. وحتى في الكرة الطائرة فإنني لم أكن سماتشور بل باسور. كرة طويلة، قصيرة ، فوق الرأس ، من خلف، ممتدة Tendu . يعني باسور واعر. لو لم أكن تلميذا نجيبا لكنت الآن لاعبا محترفا على الأقل مع البارصا. حق للاعيشة القرنية ما أكذب! حتى أمي كنت أحبها باتزان. أسافر ولا أبكي عليها. تغيب ولا أترنح. هاي هاي . أوديب أسطورة والسلام.
هنا في كندا لا بد أن تضيق بك الأرض. القانون صارم ومن فرط كرط . الثلج قارس ومن خرج من المنزل ندم. الاستغلال بشع : حضر أو انزع القطاية. أبي، يا أبي لست رئيسا للمجلس البلدي هنا. الرئيس هو كما العادة كل دورة: إما جاك أو جورج لا ثالث لهما. يتناوبون علينا أولاد الحرام. الديمقراطية هي النَُويـْبَة وما أدراك ما النَُـويْبة. وما النًُويبة في البلد الذي هجرت منه سوى أن تطأ أنت ثم يطأ الآخر بالتناوب. أنا لا أقول قلة الحياء يا سلاكيط . لقد تبرأت منكم منذ بدأت ابحث عن نشر مؤانساتي. قالوا: لا ننشر لك حتى تكون غير سلكوط أو كلوشار.
ميمتي الحبيبة يا ميمتي. أشعر بالقنوط والضجر وبالغربة والحنين ليس إلى أمي يا مساخيط فإن ذلك عقدة عند أولاد المدرسة. حنين إلى الوطن. إييييه الوطن يا أولاد الكلاب. لا تفرطوا فيه حتى لا ينقض عليكم كلاب فرويد. يقهرني الحاضر فترتد ذاكرتي إلى الماضي. ليتها كانت تتذكر الطفل السعيد الذي كنته. إنها الملعونة تبحث عن سبب مجيئي إلى كندا. ألم أقل لكم أنني أصنع طفولتي وشبابي؟ أتذكر مثلا أستاذ اللغة العربية يا مصيبتي. كان أبي يرفض أن يدرسني البهائم من الأساتذة ومن موقعه القوي كان ينقلني إلى أحسن الأقسام. إلا في السنة الرابعة إعدادي، بحثا عن أستاذ جيد في الرياضيات، قبلنا الأستاذ سي المهدي خانون.أستاذ من فاس لكنه بعرة. بل إنه خرية من داسها لا بد أن ينزلق. يفتخر بكونه خريج القرويين. ينقط الفاء من تحت ويكتب الهمزة كما في القرآن بدون قواعد ثابتة. من المفروض أن يكون أستاذا للتربية الإسلامية لكنه كان يريد اللحاق بالعصر. الحداثة يعني. رفض تدريسها وطلب اللغة العربية. وبما أنه ابن الحركة الوطنية، كانت له ركيزة قوية في فاس. يلبس سروال الباط ( عريض من تحت ) مع حذاء رياضي. حداثة يا سي المهدي ويا مساخيط لا تضحكوا. بل غلف سنه بالفضة تبعا للموضة. كنا نسميه " الزيطي" أسوة بفنان شعبي محلي يغلف سنه بالفضة كما يفعل كل شيوخ الكمان ذلك الوقت. حينما يبتسم سي المهدي الحداثي كأن مصباحا كهربائيا يشع من فمه. عقَّدنا وقهرنا وخلق فينا كل مركبات النقص. سنة واحدة كانت كافية لتقضي على طفولة مرحة. كلنا كنا نلعب بالقط الذي بين رجليه كرة أو عربة أو زمارة أوصفارة، ثم حين نكبر نلعب بكابوس فرشي وحراقية. ومن الحج كانت تدخل إلى المغرب تلك الكاميرا الصغيرة بداخلها صور ندورها واحدة تلو الأخرى. إذا ملكها واحد لعبنا بها جميعا. كنا متساوين في الفقر حتى ولو كان أبوك رئيس مجلس بلدي مثلي. نرضع من الثدي ولا وجود لسيريلاك ونلعب حتى نشبع. ما عقدتنا غير المدرسة خصوصا أمثال سي المهدي الزيطي أو قل سي المهدي البعرة.
كنت أحب سلمى بنت القائد. لها شعر أسود رطب ناعم تغسله كل يوم بالتأكيد. لم أجرأ في الأول على تقبيلها لأنها كانت تقول لي: " أنت عزيز علي يا هشام مثل خويا يوسف" أو ربما لهذا علاقة بمهمتي ك"باسور" في الكرة الطائرة. اكتفيت باللمس وفيه بركة. من يستطيع لمس بنت القايد ؟؟ هاي هاي ! القايد يا حبيبي، القايد!! كان أبوها يمر كالوحش في السوق. يجمع الخضر واللحوم والنعناع وكل شيء بالمجان. من تكلم خلت دار أبيه. بل كان أحد الجزارين يبيع اللحم الذي جمع القايد من السوق أولا ، ثم يبيع ذبيحته بعد ذلك. لا تقارنوه مع القايد الآن، خريج مدرسة تكوين الأطر. والد سلمى كان خريج الحركة الوطنية. أهااااه ! رد بالك! له ركيزة قوية بمدينة سلا وهو من عائلة، هاي هاي، عريقة يا سيدي لن أقول لكم إسمها. الخواف لا تخاف عليه أمه.
كانت سلمى وديعة تبحث عن الحنان. رغم أنني كنت أشمئز من أبيها فإنني أحببتها حب مراهق. لكن سي المهدي خانون كان يؤذيها بفمه وبقلمه. كم صبرت على إذايته لي لكنني لم أتحمل ما كان يقول لسلمى. لولا أنه يلذغ كل الفتيات لما صبرت حتى نهاية السنة على بشاعته. يقول لها حين تبتسم: لا تورينا أسنانك البيضاء ! أو: أي معجون أسنان تستعملين ؟ ولما لبست مثل النصارى أحس أن الحداثة راحت من يديه هو الوطني الذي طرد الاستعمار. يقول لها : تصلحين لفيلم كوبوي ! سي المهدي كأنه امرأة عجوز سليطة اللسان في الحمام العمومي بينما كانت سلمى مؤدبة ورقيقة الإحساس. المهدي عوض شرح الدرس يعطينا دروسا في الوطنية ويحكي لنا ماذا فعل أبوه. حكايات عنترة أو ربما " احميدة الشارجان " ذاك الكذاب الذي عاد من الحرب يحكي أنه جالس هتلر وعاقر الخمر مع دوغول وعرفهم جميعا. هاك يا اوليدي هاك. ربما بالغت لكن سي المهدي كان لا يخجل. ممنوع الضحك. انتباه! سي المهدي يحارب النصارى حتى يدق الجرس. المصيبة هي أنه لم يكن من حقنا أن نذهب إلى المرحاض لنأخذ قسطا من الراحة. ممنوع البول باستثناء رشيد نينيس الذي كان يعاني من داء السكري. يسخر منه الأستاذ كلما طلب ذلك. كنا نغتنم الفرصة ونضحك على الأستاذ. يضحك سي المهدي معنا ظنا منه أننا نضحك على رشيد نينيس. كلما أردت أن أبول هنا في كندا وأنا مكتئب، أتذكر سي المهدي الزيطي. لست أدري لماذا لا أتذكره حين أكون على أحسن ما يرام. أتذكر دائما - حتى الآن- أول قبلة من سلمى ورسائلها من سلا التي كانت تصلني عبر البريد بقلب فيه سهم أو شفة مرسومة بأحمر الشفاه. لن أنساها ما دمت لم أجد بعد فتاة أحبها وأتزوجها. ولن أتذكر غير سي المهدي خانون حين أكون حزينا. وجه النحس في يوم النحس. الطفولة بريئة يا كلاب فرويد.
لست أدري ماذا سيتذكر شكري الآن ؟ سمعت أنه أصبح ضابطا في الجيش. لقد كان سي المهدي خانون يجعل منه جاسوسا. يعطيه الكتب والبرتقال وبعض الملابس القديمة يحملها معه إلى دار الطالب وبالمقابل يطلب منه أخبار البنات والأساتذة والتلاميذ والبلد. سواء أخبار أولئك الذين يؤطرون التلاميذ في تنظيمات سرية أو أولئك الذين يربطون علاقات عاطفية مع الأساتذة. خانون يحب معرفة كل شيء. المصيبة هي أن المدير كان ينهل الجواسيس من نفس المكان: دار الطالب. قال لي شكري مرة: تعال أحكي لك يا هشام. قلت : ماذا . قال:
- " أنا جاسوس خانون، وخانون عدو المدير والمدير طلب مني أن أعطيه تقريرا سريا عن الرحلة المدرسية. فهل أنا رأفت الهجان حتى أتجسس للعدوين؟ مصيبة، مصيبة يا هشام" .
شكري يتيم. جاء من الجبل إلى مدينة تطوان بعد أن ماتت أمه. يبكي أمه وهو مراهق وأكبر تلميذ في الفصل. كنت أضحك عليه: شوارب القط يبكي أمه، سير الله يبهدلك. لم أكن أعرف فرويد حينذاك. لما ضاق به الحال وعجز عن كتابة تقرير عن الرحلة قلت له: هاتها يا شكري. سأضع له إنشاءا متخيلا. أطيل في وصف المدن والمناظر الطبيعية وأتحدث عن علاقاتنا المرحة وعن أغانينا.
ذلك ما فعلت. ضحك شكري لما قرأ التقرير ثم قدمه للمدير. في نفس الليلة التي اطلع فيها المدير عليه عرف من مخبرين تلاميذ أني كاتبه. سكر حتى تمكن منه السكر ثم ذهب إلى دار الطالب وطلب شكري. صرخ فيه أمام التلاميذ:
- ابتعد عني قليلا ! أشم فيك رائحة الخراء ( البراز). عليك أن تعلم أنني أتحدى هشام وأتحدى أبوه أيضا.
لست أدري متى يتذكر شكري مدير الثانوية، ربما حين يهجم عليه البولزاريو. ولا متى يتذكرني، ربما حين يتوصل براتبه الشهري و بعمولته مقابل ما يهرب من مؤن العسكر إلى جزر القمر رغم دروس الوطنية التي فرع بها رؤوسنا سي المهدي الزيطي.






رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 07:26 AM
عدد الزوار اليومي : 815 ، عدد الزوار الأسبوعي : 9.827 ، عدد الزوار الكلي : 4.299.736
Powered by vBulletin® Version 3.6.8
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
©حقوق النشر والملكية الفكرية محفوظة©

 
Developed for 3.6.0 Gold By uaedeserts.com